في أعقاب المواقف التي أطلقها رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع خلال مقابلته التلفزيونية مع الإعلامي مارسيل غانم، والتي دعا فيها إلى حلّ الجناحين العسكري والجهادي في "حزب الله" وتحويله إلى حزب سياسي، مع إبداء استعداده للجلوس معه في حال انتقاله إلى العمل السياسي، برز ردّ الصحافي فيصل عبد الساتر الذي تناول هذه التصريحات من زاوية سياسية وتاريخية، واضعًا إياها في سياقها الإقليمي والداخلي، ومقدّمًا قراءة نقدية لخلفياتها وأبعادها وانعكاساتها على الواقع اللبناني، ولا سيما في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان وتعقيدات المشهدين السياسي والأمني في البلاد.
وأكد عبد الساتر، أنّ الهجوم المتواصل من رئيس حزب القوات اللبنانية على "حزب الله" يشكّل جزءًا من حرب سياسية مستمرة، تقوم على ما يصفه بعض المحلّلين بمحاولات تغيير موازين القوى في لبنان، مستندة إلى التطورات الإقليمية التي أعقبت "طوفان الأقصى"، وحرب الإسناد، وصولًا إلى معركة "أولي البأس"، فضلًا عن استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، معتبرًا أنّ هذه التطورات تُستغل سياسيًا في محاولة لإعادة ترتيب النفوذ الداخلي.
وأوضح عبد الساتر في حديث عبر منصّة "بالعربي" أنّ دوائر قريبة من "حزب الله" ترى أنّ تصريحات جعجع لا يمكن فهمها إلا في سياق الهجوم المتواصل على المقاومة، ومحاولات التقارب مع إسرائيل، مضيفًا أنّ تاريخ حزب القوات اللبنانية مرتبط، منذ نشأته، بعلاقات دعم مع العدو الإسرائيلي، ما يجعل رهاناته الحالية على الغلبة الإسرائيلية جزءًا من استراتيجيته السياسية. وأشار إلى أنّ الحزب لم يتخلّ عن هذا النهج على مدى سنوات طويلة، بل دأب على استثمار أي تحوّلات إقليمية لتعزيز موقعه في الداخل اللبناني.
ولفت عبد الساتر إلى أنّ تصريحات جعجع الأخيرة، التي اعتبر فيها أنّ النموذج السوري في المرحلة الانتقالية، برئاسة أحمد الشرع، قد يشكّل مثالًا للتقارب مع إسرائيل، تندرج ضمن هذا السياق، معتبرًا أنّ جعجع يرى في هذه التجربة مخرجًا سياسيًا لتعزيز مصالحه ومكاسب حزبه على الساحة اللبنانية. كما أشار إلى الدور الذي يلعبه "الذباب الإلكتروني" المحسوب على القوات اللبنانية، إضافة إلى الانفلات الإعلامي لبعض مسؤولي الحزب، في شنّ هجمات متواصلة على حزب الله، مقابل تجاهل الانتهاكات الإسرائيلية اليومية للسيادة اللبنانية.
واعتبر عبد الساتر أنّ الدعوة الأخيرة التي أطلقها جعجع لحلّ الجناح العسكري للمقاومة وتحويل "حزب الله" إلى حزب سياسي، تُعدّ، بحسب دوائر المقاومة،"أمرًا بعيدًا عن الواقع"، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وغياب القدرة العملية للدولة على حماية لبنان. وأكّد أنّ "حزب الله" يشكّل قوة سياسية وازنة، ولا يفصل بين دوره المقاوم ونشاطه السياسي، ما يجعل أي محاولة لنزع سلاحه مستحيلة عمليًا في الظروف الراهنة.
واستعرض عبد الساتر تاريخ حزب القوات اللبنانية، مشيرًا إلى مشاركته في اجتياح عام 1982، وارتكابه، وفق تعبيره، عددًا من المجازر وجرائم الاغتيال، من بينها اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رشيد كرامي، معتبرًا أنّ هذا التاريخ يجعل أي دعوات للتقارب مع إسرائيل أو لنزع سلاح "حزب الله" "مكشوفة ومشبوهة" أمام الرأي العام اللبناني والدولي، ويعكس استمرار الحزب في نهجه القديم دون تغيير جوهري.
وأشار إلى أنّ هذه التصريحات تشكّل رسائل سياسية موجّهة إلى الخارج، تعكس سعي جعجع لفرض أجندة معيّنة على الساحة اللبنانية، إلا أنّها، بحسب تعبيره، "لن تمرّ" في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي ووجود أراضٍ لبنانية محتلة وعدوان متواصل.
وختم عبد الساتر بالتأكيد أنّ أي نصيحة سياسية جديّة ينبغي أن تبدأ من حزب القوات اللبنانية نفسه، عبر إعادة النظر في سياساته، والابتعاد عن الرهانات الإسرائيلية، خدمةً للمصلحة الوطنية اللبنانية، وتفاديًا لإعادة إنتاج تجارب الماضي المؤلمة.