March 05, 2026   Beirut  °C
سياسة

بين بعبدا والضاحية: قطيعة أم فتور؟

إلى أَينَ تتجه العلاقة بين حزب الله ورئيس الجمهورية جوزاف عون بعد التوترات التي سادت هذه العلاقة في الفترة الأَخيرة، وما رافقها من حملات إِعلامية وسياسية طالت الرئيس عون من قبل بعض إعلاميي وناشطي الحزب؟

تساؤلات برزت بقوة في المشهد الداخلي، وفتحت الباب أَمامَ نِقَاشٍ وَاسِعٍ حَولَ طبيعة التواصل بين قصر بعبدا والضاحية الجنوبية في هذه المرحلة الحساسة. فهل وصلت العلاقة بين الجانبين إلى حَدِّ القَطِيعَة أَم أَنَّ خطوط الاتصال لا تزال قائمة بعيدًا من الأَضواء؟ وهل أَنَّ ما تردد عن امتعاض رئيس الجمهورية من الخطاب الأَخير للأَمينِ العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، والذي أَبدى فيه استعداد الحزب للانخراط في صراع عسكري في حال تعرض المرشد الإِيرَانِيّ علي خامنئي لِأَيِّ استهداف أَميركي، شكل نقطة تحول أَساسية أَدَّت إلى قطع ما تبقى من خيوط التواصل بين الطرفين؟

وفي هذا السياق، يبرز أَيضًا سؤال أَساسي حول دلالات زيارة رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى قصر بعبدا، وما إِذَا كانت تندرج ضمن مساع تهدف إلى رأب الصدع وتخفيف حدة الاحتقان السياسي وَإعادة ضبط إِيقاع العلاقة بين رئاسة الجمهورية وحزب الله، بما يحفظ الاستقرار السياسي والمؤسساتي في البلاد.

في قراءة سياسية للعلاقة بين رئاسة الجمهورية وحزب الله، أَكَّدَ الصحافي فادي بو دية أَنَّ العلاقة بين بعبدا والضاحية تمر بمرحلة دقيقة، لكنها لم تصل إلى حَدّ القطيعة الكاملة، خلافًا لما يُتَدَاوَل في بعض الأَوسَاط.

 

وأَوضَحَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ ركائز العلاقة الأَساسية بين الطرفين قامت منذ البداية على احترام موقع رئاسة الجمهورية، على معادلة وطنية تهدف إلى الحفاظ على سيادة لبنان، إلزام إِسرائيل بتنفيذ بنود وقف إِطلاق النار عبر القنوات الدولية وترك مساحة واضحة للدولة اللبنانية للتحرك دبلوماسِيًّا على المستويين العربي والدولي.

 

ولَفَت بو دية إلى أَنَّ حِزبَ الله، ومنذ اللحظة الأُولى، التزم بهذا التوجه وأَتاح للدولة المجال الكامل للقيام بواجباتها، وهو ما انعكس في مواقف أَمِينِهِ العام الشيخ نعيم قاسم، الذي شدد في أَكثَر من خطاب على دعم خيارات الدولة وإِعطائها الأَولَوِيَّة في هذه المرحلة.

 

غَيرَ أَنَّ بو دية أَشَارِ إِلى أَنَّ التطورات الميدانية والسياسية في خِلالِ السنة الماضية أَظهَرَت أَنَّ الاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف، بل تصاعدت، في مقابل غياب فعلي لِإِعادة الإِعمار، وربط هذا الملف بشروط سياسية واضحة. وقَال إِنَّ المفاوضات التي حَصَلت، على الرَّغمِ مِنَ التنازلات التي قدمت في خلالها، فتحت الباب أَمامَ خطاب جديد في الداخل اللبناني، تضمن إِشارات إلى التطبيع والسلام مع إِسرائيل، ما أَثَارَ قَلَقًا وَاسِعًا في أَوساط بيئة المقاومة.

 

وتَابَعَ أَنَّ هذا المناخ رافقه تصعيد داخلي، حيث واجه إعلاميون ومناصرون لخط المقاومة حملات ضغط واستدعاءات، ما اعتبره مُؤَشِّرًا إِضَافِيًّا على تراجع الأُسُس التي قامت عليها التسوية السياسية، سواء في انتخاب رئيس الجمهورية أَو في تشكيل الحكومة وتركيبتها، وصولًا إلى مُجمَل أَداء العهد.

 

ولفت بو دية إلى أَنَّ ما يزيد من حدة القلق هو الشعور بِأَنَّ الدولة اللبنانية تقدم تنازلات متزايدة للولايات المتحدة، الأَمِر الذي قد يؤدي إلى إِضعَافِ الانجازات والمعادلات الوطنية التي ثُبِّتَت سَابِقًا، مُعتَبِرًا أَنَّ هذا الواقع أَدَّى إلى فتور واضح في العلاقة، مع التأكيد، في الوَقتِ نَفسِهِ، على وجود مساع جدية لِإعادة ترميمها وإِعَادَة الحرارة إِلَيهَا.

 

وفي هذا السياق، شدد على أَنَّ الضاحية الجنوبية لم تغلق بابَها أَمَامَ أَحَد وأَنَّ وجود الرئيس نبيه بري يشكل ضمانة أَسَاسِيَّة وصمام أَمان للاستقرار السياسي. ورأى أَنَّ أَي رهان على استمرار التوتر بين رئاسة الجمهورية وحزب الله هو رهان خاسر، لِأَنَّ لا عهد ولا حكم يمكن أَن ينجح في لبنان من دون شراكة وتوافق بين مكوناته.

 

كما تطرق بو دية إلى السِّجَال القائم حول خطاب رئيس الجمهورية أَمامَ السلك الدبلوماسي، مُعتَبِرًا أَنَّ المشكلة لا تكمن في المصطلحات المستخدمة بقدر ما تكمن في تغييب مسألة الانسحاب الإِسرائيلي من الخطاب الرسمي والتركيز حَصرًا على ملف السلاح، من دون توفير ضمانات حقيقية تتعلق بِالأَمنِ والسيادة.

 

وتساءل عَن الضمانة التي تمنعُ إِسرائيل من استكمال اعتداءاتها على لبنان، خُصوصًا على بيئة المقاومة في حال سلمت سلاحها، ومن هي الجهة القادرة على تقديم هذه الضمانة، لا سيما وأَنَّ الولايات المتحدة التي رعت اتفاق وقف إِطلاق النَّار أقرت لاحِقًا بِفَشَلِهَا في فَرضِه.

 

وأَكَّدَ بو دية أَنَّ قنوات التواصل لا تزال مفتوحة وأَنَّ هناك جُهُودًا عِدَّة تُبذَل لِإِعادة لملمة العلاقة بين الجانبين، مُعرِبًا عَن تَفَاؤُلِهِ بإِمكانِ عَودَةِ الأُمُور إلى مسارها الطبيعي، في ظل قناعة راسخة بِأَنَّ لبنان لا يحكم إِلَّا بالتوافق وبانسجام مؤسساته الدستورية ورئاساته الثلاث.

بين بعبدا والضاحية: قطيعة أم فتور؟
بين بعبدا والضاحية: قطيعة أم فتور؟ - 1