مع اقتراب ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، يعود ملف تعليق العمل السياسي للرئيس سعد الحريري إلى الواجهة، محاطًا بسيلٍ من التساؤلات والترقّب، ليس داخل الساحة السنية فحسب، بل على امتداد المشهد السياسي اللبناني. وبحسب متابعين، فإن غياب الحريري عن الحياة السياسية خلال السنوات الماضية لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل ترك فراغًا واضحًا أعاد خلط التوازنات وأطلق نقاشًا مفتوحًا حول مستقبل الطائفة السنية وقيادتها.
تزامنًا، أشار مراقبون إلى أن الحضور الشعبي اللافت في العام الماضي كان كافيًا لإثبات استمرار الحضور السياسي والوجداني لـ "تيار المستقبل" وزعيمه، على الرغم من غياب أي إعلان حاسم بشأن العودة أو إنهاء تعليق العمل السياسي. وقالوا إنه، مع استمرار التكهنات والتسريبات، يبقى القرار محاطًا بالغموض، فيما أكد الرئيس الحريري في أكثر من مناسبة أن لكل خطوة توقيتها وظروفها.
وسط هذه الأجواء، طالعتنا صحيفة "الديار" في عددها الصادر أمس بمقالٍ تحت عنوان: "سعد الحريري في بيروت أوائل شباط: الكلمة لي؟ 14 شباط مختلف هذا العام… والشعار: عالوعد نكمل دربك"، نقلت فيه تسريبات عن إلغاء الرئيس الحريري قرار "تجميد العمل" وتوجهه شبه المحسوم بخوض الاستحقاق الانتخابي.
في هذا السياق، قال ناشر موقع "لبنان الكبير"، الصحافي محمد نمر، إنه لا يملك معطيات حول مصدر معلومات الجريدة الزميلة "الديار"، معتبرًا أن الشكل العام للمشهد يؤكد أنه طالما أن الرئيس سعد الحريري لم يقل كلمته بعد، فإن كل ما يُتداول يبقى ضمن إطار التكهنات.
وأكد عبر منصة "بالعربي" أن القرار الأخير لا يزال لدى الرئيس الحريري، ولم يصدر عنه، أو عن مكتبه الإعلامي، أو عن تياره أي بيان رسمي في شأن المشاركة في الانتخابات من عدمها.
ولفت نمر إلى أن الرئيس الحريري، عندما يتخذ قراره، لا يلجأ إلى تسريبات أو مصادر، بل يقول كلمته مباشرة بكل صدق وثقة، لافتًا إلى أن ما يُعدّ ثابتًا ومن المسلّمات التي لا تحتمل التأويل هو أن الرئيس سعد الحريري سيقرأ الفاتحة عن روح الرجل الاستثنائي، الرئيس الشهيد رفيق الحريري، في الساعة الأولى أمام الضريح في بيروت.
وبشأن "تيار المستقبل"، أوضح أن تعليق العمل السياسي جاء بناءً على قرار رئيس التيار، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني تجميد نشاطه بالكامل. وقال: يستعدّ التيار لكل السيناريوهات وينتظر قرار رئيسه، لافتًا إلى أنه ينشط في أكثر من اتجاه، وقد ظهرت مشاركته العلنية في الاستحقاقات النقابية ضمن تحالفات محددة، كما حضر في انتخابات اتحادات رياضية. وأكد أن "تيار المستقبل" لم يتوقف عن العمل في الشأن الاجتماعي، سواء عبر مؤسساته أو عبر جمعية بيروت للتنمية، فضلًا عن حضوره النقابي والرياضي.
ورأى نمر أن التحضيرات كانت حاضرة قبل انتخابات العام 2022، وقبل أن يتخذ الرئيس الحريري قراره بتعليق العمل السياسي، معتبرًا أن المسار الطبيعي للتيار هو أن يكون مستعدًا لأي خيار يتخذه رئيسه.
وفي ما يتعلق بذكرى 14 شباط، شدد على أن فكرة الحشد في العام الماضي لم تكن منظمة حزبيًا، بل جاءت بمبادرات من المحبين، مذكّرًا بأن صورة مئة ألف شخص أمام الضريح كانت كافية ليقول الحريريون للجميع: "نحن هنا… وسنبقى". واعتبر أن هذا الحشد شكّل ما يشبه "السونار" الذي أثبت أن القلب الحريري لا يزال ينبض، وأنه مهما تغيّرت الظروف لا يمكن إخفاء هذا الصوت أو دوره.
وأكد نمر أن الرئيس الحريري لم يحدد بعد شكل حضوره في شباط المقبل، لا موعد وصوله ولا أجندة لقاءاته، مشيرًا إلى أن كل هذه التفاصيل لا تزال قيد النقاش. وقال: العدالة الإلهية كانت الأصدق في محاسبة قتلة الرئيس الشهيد، سواء في لبنان أو مع سقوط النظام السوري المجرم، فضلًا عن الأثمان التي دفعها الحريري، ومنها ما كان بالدم، في مواجهة سلاح حزب الله في لبنان.
وشدد على أن يوم 14 شباط هو يوم لجميع اللبنانيين ولجميع المؤمنين بنهج الشهيد رفيق الحريري، معتبرًا أنه يوم خسارة لبنان لضمانته الوطنية.
وبالنسبة إلى حالة "أبو عمر"، قال نمر إنها تُعدّ من تداعيات غياب المرجعية السياسية السنية في لبنان، إذ كشفت الجشع السياسي وخفة عقول بعض الحاضرين في الساحة السنية، لافتًا إلى أنه لولا المرجعية العربية السعودية لكان الوضع أكثر هشاشة. وأكد أن زعامة الرئيس الحريري لا تموت، ولا يمكن لأي شخصية في لبنان أن تكون بديلًا عن زعامة سعد الحريري، معتبرًا أن لديه "سرًا عند الله" لم نشهده عند أي شخصية أخرى.
وشدد على أن السنّة لا يمكن قياسهم على شارع، فهم أمة، معتبرًا أن لا أحد سوى سعد الحريري قادر على تحمّل مسؤولية واقعهم. وذكر أن بعض الشخصيات السياسية الحالية نجحت في مناطقها، فيما أثبت آخرون فشلهم، وبعضهم سقط في فخ "أبو عمر".
ورأى نمر أن غياب الرئيس الحريري أدى إلى اختلال واضح في التوازن السياسي اللبناني، مؤكدًا أن الحريري لا يزال جزءًا أساسيًا من المعادلة الوطنية. فالشخصيات الأخرى أُعطيت فرصتها لكنها لم تنتج سوى نماذج فاشلة، لأن طموحها انحصر في الألقاب والمناصب، في حين أن الحريري كان جريئًا في التنازل عن الألقاب والصفات والمناصب. وشدد على أن الزعامة لا تُمنح بل تفرضها الجماهير، وأن مشهد 14 شباط الماضي كان كفيلًا بمنحه إكسير الزعامة لعقود.
ولفت إلى أن الحريري قد يكون الشخصية اللبنانية الوحيدة القادرة على لمّ الشمل وإنهاء الفوضى، لأن من يتخلى عن الكرسي يتحرر من منطق المحاصصة والجشع. وقال: الحريرية ليست حالة سنية فحسب، بل امتداد وطني، ولقاءات الحريري في العام الماضي أظهرت حرصه على كل المكونات اللبنانية وعلى علاقة لبنان بمحيطه العربي، ولا سيما المملكة العربية السعودية.
وأشار نمر إلى أن الرئيس الحريري لم يتخذ قراره بعد، لا في شأن الانتخابات ولا في شكل ذكرى 14 شباط، مؤكدًا أن حضوره للذكرى هو الأمر الوحيد المحسوم. واعتبر أن ما عدا ذلك لا يعدو كونه استغلالًا لمشاعر الحريريين. وقال: قرار الحريري سيكون مدروسًا بعناية ومتوافقًا مع المرحلة.
واعتبر أنه قبل السؤال عن قرار الحريري بشأن الانتخابات، يجب طرح السؤال الأهم: هل ستحصل الانتخابات أصلًا؟ لافتًا إلى أنه في حال قرر الحريري المشاركة، فإنه لا يزال يمتلك القدرة على صناعة "تسونامي" سياسي يتيح له حصد أكبر الكتل النيابية، ومع تحالفات وطنية محددة يمكن الحديث عن أكثرية نيابية تتجاوز نموذج العام 2009.
وفي ختام تعليقه، قال نمر: إن الإجابة عن سؤال عودة الحريري تبدأ من سبب تعليق العمل السياسي، ومن السؤال الجوهري: هل يشبه الحريري المنظومة السياسية الحاكمة؟ مؤكدًا أنه، برأيه، لا يشبهها ولن يشبهها. 14 شباط وحده كفيل بالإجابة عن كل الأسئلة، وما عداه يبقى مجرد تكهنات، بعضها "مطبوخ" بدقة، وأكثرها مطبوخ بخفة.

