يومًا بعد يوم، تتكشّف خيوط قضية "الأمير الوهمي" أبو عمر، ومعها تنكشف سذاجة بعض السياسيين الذين تورّطوا في رواية بُنيت على الوهم والطموح الشخصي، قبل أن تتحوّل القضية إلى مادّة للادِّعاءات ومحاولات إعادة كتابة الوقائع.
فبعد الإعلان عن توقيف "الأمير الوهمي" وبدء كشف خيوط الملف تباعًا، تسابقت تحليلات تقول إنّ هذا الطرف أو ذاك هو من كشف هويته، وصولًا إلى مزاعم أخطر تحدّثت عن أنّ وصول رئيس الحكومة نواف سلام جاء نتيجة تواصل مزعوم بين أبو عمر وعدد من الكتل السياسية وأنّ هذا التواصل قلب المعادلة في اللحظات الأخيرة لمصلحة سلام، بعدما كانت المعطيات تشير، قبل يوم واحد فقط من الاستشارات، إلى أنّ نجيب ميقاتي سيكون الرئيس المكلّف.
ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، إذ ذهب البعض إلى التشكيك بشرعية رئاسة الحكومة نفسها، مطالبين بالطعن بسند الرئاسة.
اليوم، تكشف مِنصّة "بالعربي" القصة الكاملة لوصول نواف سلام إلى السراي الحكومي، بعيدًا عن الروايات الشعبوية والتأويلات غير المستندة إلى الوقائع.
بعد انتخاب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية، برزت رغبة لدى أطراف في "اللجنة الخماسية"، لا سيّما المصريين، القطريين والفرنسيين، في إدارة توازن سياسي يخفّف حدّة الصدام الداخلي. فبعد اعتبار انتخاب عون "كسرًا" لخيار الثنائي الشيعي الذي كان يفضّل سليمان فرنجية، طُرح اقتراح يقضي بتكليف نجيب ميقاتي تشكيل حكومة انتقالية تمتدّ نحو سنة ونصف السَّنَة، حتى موعد الانتخابات النيابية، ضمن إطار عمل واضح للمرحلة المقبلة، وبما يضمن عدم إقفال الأبواب مع الثنائي. في تلك المرحلة، كان هذا المسار هو الأكثر تداولًا، وكان ميقاتي يتوقّع أن ينال ما بين 69 و70 صوتًا.
في المقابل، كانت قوى المعارضة تخوض نقاشًا جديًّا حول خيارها، بين ترشيح النائب فؤاد مخزومي أو اللواء أشرف ريفي، قبل أن يتحوّل النقاش إلى خلاف داخلي انتهى بترشيح مخزومي. غير أنّ لعبة الأرقام سرعان ما فرضت نفسَها، إذ تبيّن أنّ سقف الأصوات التي يمكن أن ينالها مخزومي لا يتجاوز نحو 30 صوتًا، خصوصًا في ظلّ عدم تسمية ريفي له، ما جعله بعيدًا جدًا عن منافسة ميقاتي.
من هنا، طرح عدد من النواب داخل المعارضة، بينهم وضاح الصادق، مارك ضو وميشال دويهي، اسم نواف سلام، انطلاقًا من قناعة بأنّ التغيير لا يكتمل إذا بقيت رئاسة الحكومة حكرًا على الوجوه التقليدية. هذا الطرح أثار غضب مخزومي وتحفّظ بعض أطراف المعارضة، قبل أن يدخل اسم إبراهيم منيمنة على الخط، ما زاد المشهد تعقيدًا مع خطر تشتيت أصوات المعارضة وضرب حظوظ سلام.
أمام هذا الواقع، قرّرت المعارضة منح مخزومي مهلة 24 ساعة قبل الاجتماع الشهير الذي عُقد ليل الأحد، قبل ساعات من موعد الاستشارات النيابية، لتأمين دعم إضافي يتراوح بين 10 و15 صوتًا، يسمح بخوض المعركة بأقل من خمسين نائبًا. غير أنّ صباح اليوم التالي أظهر، من خلال الاتصالات، أنّ مخزومي لن يحصل على العدد المطلوب من الأصوات.
عندها، بدأ جسّ النبض جديًا حول اسم نواف سلام، على الرغم من أنّ الأخير كان قد غادر لبنان متوجّهًا إلى لاهاي بعدما شعر بأنّ طرحه بات متراجعًا في ظلّ موجة التأييد الواسعة لميقاتي.
في تلك الليلة، تكثّفت الاتصالات بين الكتل السياسية، وانعقد اجتماع مطوّل داخل المعارضة دام أكثر من خمس ساعات، وكان حادًّا في بعض محطّاته، لا سيّما مع إصرار الصادق، ضو ودويهي على طرح اسم سلام. والأهمّ أنّ طاولة المعارضة، التي ضمّت 31 نائبًا، لم يكن أيّ من أعضائها قد سمع أو تواصل مع "أبو عمر"، لا "القوات اللبنانية"، لا "الكتائب"، لا ميشال معوّض ولا أيّ نائب من هؤلاء.
نجحت المعارضة في إقناع إبراهيم منيمنة بالانسحاب، واتُّفِقَ على منح مخزومي مهلة أخيرة حتى صباح يوم الاستشارات في الساعة السابعة، لتأمين دعم من كتل وازنة، من بينها "التيار الوطني الحر" وبعض المستقلّين. غير أنّ هذا الدعم لم يتأمّن.
عندها، أصدرت كتلة تحالف التغيير بيانًا بتسمية نواف سلام، بالتزامن مع انسحاب مخزومي، لتتوحّد المعارضة على اسم سلام. ومنذ تلك اللحظة، انطلق التواصل مع الكتل السياسية، فيما كان سلام لا يزال في لاهاي، وشملت الاتصالات كتلة "اللقاء الديمقراطي" برئاسة النائب تيمور جنبلاط وكتلة "لبنان القوي" برئاسة النائب جبران باسيل، إضافة إلى عدد من النواب المستقلّين.
معركة نواف سلام بدأت بـ70 صوتًا، توزّعت بين 31 نائبًا من قوى المعارضة، 9 نواب تغييريين، 14 نائبًا من كتلة "لبنان القوي"، 8 نواب من "اللقاء الديمقراطي" إضافة إلى 8 نواب مستقلّين. وهي كتل لم تتواصل مع "أبو عمر" ولا تعرفه أساسًا، ما يُسقط أيّ ادّعاء عن دور لَهُ في قلب المعادلة، ويؤكّد أنّ النتيجة كانت ثمرة مسار سياسي داخلي وتحالفات واضحة سبقت يوم الاستشارات.
وحتى في ما يتعلّق بتكتل الاعتدال أو بالنواب الذين قيل إنهم تواصلوا مع أبو عمر، والذي يُزعم أنّه طلب منهم عدم تسمية ميقاتي، فإنّ ذلك لم يكن ليؤثّر على النتيجة النهائية.
تكليف نواف سلام لم يكن نتاج مكالمة غامضة ولا ثمرة تدخل "أمير وهمي". ما حَصَلَ كان مسارًا سياسِيًّا دَاخِلِيًّا مكتملًا، تُرجِم بانسحابات محسوبة، خيارات واضحة وتحالفات دقيقة حُسمت قبل يوم الاستشارات لا في خلاله. أمّا محاولات التشكيك بشرعية سلام، فلا تعدو كونها محاولة متأخرة لإعادة تفسير نتيجة لم تعجب أصحابها. ومن يريد الطعن بالتكليف، عليه العودة إلى الوقائع والأرقام، لا إلى الروايات المفبركة التي سقطت واحدة تلو الأخرى.