في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وفي ظلّ الحديث المتصاعد عن ضرباتٍ إسرائيلية محتملة قد تطال إيران وتنعكس على المحور بأكمله، تتكاثر التساؤلات حول التداعيات المباشرة على لبنان والمنطقة. وبين التصعيد الإعلامي وموازين الردع الفعلية، يُطرح سؤال جوهري حول مدى جدّية القرار العسكري الإسرائيلي، حدود قدرة تل أبيب على خوض مواجهة واسعة وإمكانِ تحييد الساحة اللبنانية عن أي انفجار إقليمي.
فهل نحن أمام مواجهة عسكرية وشيكة أم أمام حرب تهديدات تُدار ضمن سقوف سياسية محسوبة؟
في هذا الإطار، قدّم نائب رئيس مجلس النّواب السّابق إيلي الفرزلي قراءة سياسيّة، مُستَنِدًا إلى التجارب السابقة والتحوّلات الإقليمية، متناولًا موقع لبنان، حدود الصراع وإمكان الفصل بين الساحات في مرحلة دقيقة من تاريخ المنطقة.
واستَبعَدَ عبر مِنصّة "بالعربي" أَن تَكُون إسرائيل قادرة على خوض حرب واسعة ضد إيران من دون مساعدة مباشرة من الولايات المتحدة الأميركية، معتبرًا أن التجارب السابقة، سواء في العدوان على إيران أو على لبنان، أظهرت حدود القوة الإسرائيلية وعدم قدرتها على تحمّل تبعات حرب من هذا النوع.
وأشار الفرزلي إلى أنّ إسرائيل، حتى لو امتلكت قرار شنّ الحرب، لن تستطيع تحقيق الأهداف المرجوّة منها، بل ستواجه أضرارًا سترتدّ عليها داخليًا وأمنيًا، ما يجعل خيار الضّربة الشاملة موضع شكّ، معتبرًا أن التهديد الإسرائيلي سيبقى قائمًا كأداة ضغط سياسي، من دون أن يترجم إلى حرب فعلية، خصوصًا في ظلِّ الموقف الأميركي الذي لا يبدو منزعجًا من التلويح بالحرب، لكنه غير متحمّس لخوضها.
وربط هذا الواقع باللقاءات السياسية المرتقبة، لا سيما الاجتماع بين بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث ستُطرح مجمل الملفات الإقليمية، مشدّدًا على أنّ الهدف الاستراتيجي الأساسي لإسرائيل تجاه إيران كان ولا يزال إسقاط النظام، وهو هدف فشلت في تحقيقه حتى اليوم، ما يعزّز فرضية عدم الذهاب إلى مواجهة عسكرية شاملة.
أما على الساحة اللبنانية، رأى الفرزلي أنّ الواقع الحالي والذي بات محكومًا بتفاهم غير معلن بين السّلطة اللبنانية والمقاومة، يهدف إلى تحييد لبنان عن أيِّ مواجهاتٍ عسكريةٍ كبرى قد تنعكس سلبًا على استقراره الداخلي، لافتًا إلى أنّ أي ضربة إسرائيلية على لبنان، إذا لم تكن مرتبطة بهدف نزع السلاح، ستكون بلا قيمة استراتيجية.
وبالرجوع إلى التجربة في قطاع غزة، رأى أنّ إسرائيل لم تفلح بنزع السلاح على الرَّغمِ مِن حَجمِ الدَّمِارِ الهَائِل، مُعتَبِرًا أن هذا الهدف في لبنان يتطلّب حربًا مباشرة ومحاولة احتلال، وهي خطوة ستكون كلفتها باهظة جدًا على إسرائيل، فيما يصبُّ اهتمام تل أبيب الفعليّ على تحييد الخطر الصاروخي وضبط حدودها الشمالية، وهو ملف قابل للتفاوض أكثر مما هو قابل للحسم العسكري.
وفي ما يتعلّق بإمكانِ الرَّبطِ بين الساحتين اللبنانية والإيرانية، أشار الفرزلي إلى أنّ الفصل بينهما هو السيناريو الأرجح، معيزًا السبب إلى الموقف الإيراني الذي يعتبر أنّ مسألة سلاح حزب الله ومصيره شأن يُبحث بين الدولة اللبنانية والحزب، مؤكدًا أنّ هذا التطور مرتبط بنتائج المفاوضات السعودية – الإيرانية مع احتفاظه ببعض التحفظات على التفاصيل وأن الربط المباشر بين الساحتين لم يعد ثابتًا كما في السابق، مع بقاء الإيحاءات قائمة طالما استمرّ مناخ التهديد.
وعن الحديث المتداول حول توجيه ضربة قاضية لمحور كامل، رَأَى أَنَّ هذا المحور تلقّى بالفعل ضربة استراتيجية، تتجلّى أولًا في استهداف قيادة المقاومة في لبنان، وتحديدًا اغتيال السيّد حسن نصرالله، وثانيًا، وهو الأهم، في سقوط النظام السوري، الذي أفقد هذا المحور عمقه الجغرافي، السياسي والاستراتيجي.
ووفق هذا التوصيف، اعتبر الفرزلي أَنَّ مفهوم "المحور" بات اليوم أقرب إلى توصيف سياسي منه إلى واقع فعلي متماسك.
وعلى المستوى الرسمي، أَكَّدَ أَنَّ لبنان حسم خياره بإبعاد نفسه عن الصراعات العسكرية الإقليمية، وهو ما انعكس بوضوح في خطاب القسم لرئيس الجمهورِيَّة جوزاف عون وفي البيان الوزاري، مشيرًا إلى وجود إرادة جامعة لدى الرؤساء والمؤسسات الأمنية، وفي مقدّمتها الجيش اللبناني، لمنع توريط البلاد في نزاعات خطيرة، معتبرًا أن لا مصلحة لأي مسؤول لبناني في فتح جبهة داخلية أو خارجية.
وختم الفرزلي: الرسائل الإيرانية الأخيرة حول سلاح حزب الله تعكس، وفق قراءته، رفع اليد عن فكرة المصير العسكري المشترك وربط الحزب بمواجهة مباشرة مع إسرائيل، معتبرًا أن تسريع إسرائيل تنفيذ القرار 1701 والانتقال من وقف الأعمال العدائية إلى الحل المستدام، من شأنه أن يثبّت عمليًا فكرة فصل الساحتين، مع التشديد في هذا الإطار على أنّ الولايات المتحدة تبقى اللاعب المحوري والحاسم، إذ أثبتت التجارب أنّ القدرة العسكرية الإسرائيلية، على الرَّغمِ مِن تَطَوَّرِهَا، تبقى ذات سقف لا يمكن تجاوزه من دون الغطاء الأميركي.

