في لبنان، لا يكفي أن يُحال أيّ ملف إلى القضاء لكي يُطوى من التداول العام. فحين تلامس القضيّة بنية السلطة، تتشابك مع أسماء نافذة وتطرح أسئلة عن صورة الدولة ومصداقيتها، تتحوّل تلقائيًا إلى مادّة سياسية وإعلامية دائمة. هذا تمامًا ما ينطبق على قضية "أبو عمر"، الرجل الذي ادّعى أنّه أمير سعودي، وتمكّن، وفق المعطيات المتداولة، من بناء شبكة علاقات مع مسؤولين وشخصيات مؤثّرة، قبل أن تتكشّف حقيقة ادّعاءاته ويُفتح الملف قضائيًا.
صحيح أنّ ملف "أبو عمر" بات بعهدة القضاء، إلّا أنّ ذلك لم يمنع تحوّله إلى حديث الساعة في الإعلام والصالونات السياسية. فلا تكاد تمرّ جلسة أو نقاش عام أو حتى لقاء خاص، من دون أن يُستعاد الاسم، إمّا عبر تساؤلات، أو اتهامات مبطّنة أو همس يتنقّل بين الحاضرين.
وقد ظهر هذا الواقع بوضوح في خلال جلسة لجنة المال والموازنة النيابية الأسبوع الماضي، حين انفجر سجال سياسي حادّ على خلفية قضية "أبو عمر" بين النائبة بولا يعقوبيان والنائب فؤاد مخزومي، قبل أن يتدحرج إلى إشكال آخر ذي طابع شخصي. لكن، على الرَّغمِ مِن تشعّب السجال، بقي الثابت أنّ اسم "أبو عمر" أصبح حاضرًا في قلب النقاش السياسي نفسه، لا كملف قضائي فحسب، بل كرمز لخلل أعمق.
بعيدًا من الجلسات العلنية، يتردّد اسم "أبو عمر" في المجالس الخاصة للسياسيين أنفسهم. أسماء تُتداول، شكوك تُطرح وتساؤلات عن حجم التورّط وحدوده. لكن الأخطر، وفق معطيات متقاطعة، هو أنّ هذا التداول لا يقود بالضرورة إلى كشف الحقيقة، بل قد يكون مقدّمة لمحاولة احتواء الملف بدل تفجيره.
فحين تظهر أسماء مسؤولين كبار، تصبح كلفة المواجهة أعلى من قدرة كثيرين على تحمّلها. وهنا تحديدًا، يدخل الملف في المنطقة الرمادية: لا تبرئة كاملة ولا محاسبة كاملة.
في هذا السياق، تعيد حادثة "أبو عمر" إلى الذاكرة نموذجًا سينمائيًا لبنانيًا بالغ الدلالة، هو فيلم بنت الحارس - أُنتِجَ في العام 1968 من بطولة السيِّدَة فيروز - وتحديدًا شخصية "نجمة". فنجمة لم تكن فاسدة، لكنّها كانت تعرف فساد الجميع. امتلكت الأسرار،وكشفت التجاوزات ووضعت أعضاء البلدية واحدًا تلو الآخر أمام مرآة أفعالهم. والنتيجة؟
لا أحد استطاع محاكمتها على الرَّغمِ مِن كل ما فعلته في الضيعة من ترهيب، لأنّ أيّ شكوى كانت ستفتح ملفّات الجميع دفعة واحدة.
اليوم، يبدو "أبو عمر" في موقع مختلف من حيث الدوافع، لكن في موقع شديد الشبه من حيث النتائج. فكما كانت نجمة تمسك بخيوط تُدين المنظومة كاملة، تحوّل "أبو عمر" إلى نقطة تقاطع محرجة، لأنّ ملاحقته الكاملة تعني، تلقائيًا، فتح أبواب المساءلة على مصراعيها: من استقبله؟ من صدّقه؟ من منحه الغطاء؟ ومن تعامل معه على أساس الصفة التي ادَّعَاهَا؟
تكمن المعضلة الأساسية في هذه القضية في سؤال بسيط ظاهريًا، لكنّه معقّد عمليًا: من يجرؤ على الادّعاء؟
ففي منطق غير معلن، لكن راسخ في الحياة السياسية اللبنانية، يدرك كلّ طرف أنّ فتح الملف قد يجرّ عليه ما لا يرغب في كشفه. وهكذا، يصبح الصمت حماية متبادلة وتتحوّل العدالة إلى رهينة توازنات خفيّة.
كما في قصة نجمة، لا يكون الخطر في سقوط شخص واحد، بل في نجاة المنظومة بأكملها. فحين يصبح الجميع مكشوفًا، تُقفل الملفات لا لأنّ الحقيقة ظهرت، بل لأنّ ظهورها الكامل لم يعد في مصلحة أحد.
ضمن هذا المشهد، يبرز خطر تكرار السيناريو اللبناني المألوف:
اختزال القضية بشخص واحد، تقديمه كـ"كبش محرقة"، أو تسويق رواية تبريرية تُنهي الملف بأقلّ الأضرار الممكنة، كالتشكيك بأهلية "أبو عمر" العقلية أو تصويره كمحتال تصرّف منفردًا، بلا شبكة ولا غطاء. وفي الحالتين، يُهمَل السؤال الجوهري، ويُطوى جوهر القضية: المسؤولية السياسية والأخلاقية لمن فتحوا الأبواب.
بعيدًا من الحسابات الداخلية، ثمّة كلفة لا تقلّ خطورة، تتعلّق بصورة لبنان في الخارج. فأن يتمكّن شخص من الادّعاء أنّه يحمل صفة أمير سعودي، أن يدخل إلى دوائر مسؤولين ويؤثّر في نقاشات أو مواقف، فهذا يطرح علامات استفهام كبرى حول جدّية الطبقة السياسية وقدرتها على التمييز بين الوهم والواقع وبين الصفة الرسمية والادّعاء.
قضية "أبو عمر" لم تعد مجرّد ملف احتيال. إنّها اختبار حقيقي لمدى استعداد الدولة اللبنانية لكسر حلقة الصمت أو الاستسلام لمنطق "الجميع متورّط". فإمّا أن يُستكمل التحقيق حتى نهايته، مهما كانت الأسماء وإمّا أن يُعاد إنتاج سيناريو "نجمة" من جديد: ملف يُقفل، حقيقة تُطمس،ومنظومة تخرج سالمة… فيما يدفع لبنان ثمنًا إضافيًا من سمعته وثقة الداخل والخارج به.