January 14, 2026   Beirut  °C
سياسة

أين بهاء الحريري؟

لم يعد السؤال عن بهاء الحريري مرتبطًا بغيابه أو عودته، بل بحالة التردّد المزمنة التي تحكم حضوره في المشهد اللبناني. يذهب ثم يعود، يعلن نية الانخراط ثم يختفي، يلوّح بخطوات سياسية ثم يتراجع إلى الخلف، إلى حدّ بات فيه كثيرون غير قادرين على الإمساك بموقف واضح له أو فهم مساره الحقيقي.

في الآونة الأخيرة، عاد اسم بهاء الحريري إلى التداول مجددًا مع إعلانه العودة إلى لبنان، وتأسيسه حزب "المسار الوطني" الذي نال ترخيصه الرسمي، إضافة إلى تصريحاته عن رغبته في الاستقرار داخل البلاد. إلا أنّ هذه الخطوات، بدل أن تُقفل باب الشكوك، أعادت فتحه على مصراعيه.

واليوم، مع اختفائه مجددًا عن المشهد من دون أي تفسير أو حضور يُوازي حجم الإعلانات السابقة، عاد السؤال مجددًا: هل نحن أمام قرار سياسي نهائي، أم حلقة جديدة في مسلسل الذهاب والإياب الذي أفقده الكثير من الجدية في نظر الرأي العام؟


تردّد مستمر يفرغ أي مسار من مضمونه

المشكلة الأساسية في تجربة بهاء الحريري لا تكمن فقط في توقيت تحرّكه، بل في غياب الاستمرارية. ففي السياسة، لا تُبنى الثقة على الظهور الموسمي، ولا على المبادرات المتقطّعة، بل على الحضور الدائم والانخراط اليومي في الشأن العام. وما نشهده حتى الآن هو نمط متكرّر: إعلان، ثم صمت، ثم عودة إعلامية، ثم اختفاء جديد.

هذا التقلّب المستمر حوّل حضوره إلى حالة ضبابية، يصعب على الرأي العام التعامل معها كخيار سياسي مستقر أو مشروع طويل الأمد.


"المسار الوطني"… حزب بالشعارات لا بالفعل

رغم تأسيس حزب "المسار الوطني" وحصوله على الترخيص الرسمي، لا يزال السؤال مطروحًا حول ما إذا كان هذا الحزب أكثر من اسم وشعار. فحتى اليوم، لم ينجح الحزب في ترجمة وجوده القانوني إلى حضور فعلي على الأرض، سواء من خلال نشاط تنظيمي واضح، أو مبادرات ملموسة، أو انخراط مباشر في هموم الناس اليومية.

في بلد يرزح تحت أزمات معيشية خانقة، لا تكفي البيانات ولا الخطابات العامة لكسب الثقة. فالأحزاب تُقاس بما تفعله، لا بما تعلنه، وبما تقدّمه للناس عمليًا، لا بما ترفعه من عناوين فضفاضة. وحتى الآن، يبدو "المسار الوطني" غائبًا عن هذا الامتحان الأساسي.

إضافة إلى ذلك، لا يظهر الحزب كتنظيم سياسي متماسك يمتلك بنية واضحة أو قاعدة شعبية فعلية. فلا نشاطات ميدانية تُذكر، ولا حضور في المناطق، ولا تواصل مع الناس. وكأن الحزب لا يزال حبيس المكاتب والتصريحات، من دون أن ينجح في التحوّل إلى قوة سياسية حيّة تتفاعل مع المجتمع.

 

وهنا تبرز المفارقة: كيف يمكن لحزب ناشئ أن يطرح نفسه كمسار وطني، فيما يغيب عن الأرض التي يُفترض أن يبدأ منها أي مسار؟


قصر مجدليون… خطوة زادت الانقسام بدل أن تبني الثقة

لم تمرّ خطوة قصر مجدليون من دون انتقادات. فالقصر لم يكن مجرد عقار، بل مقر إقامة عمّته النائبة السابقة بهية الحريري، التي شكّلت إحدى ركائز المشروع السياسي للرئيس الشهيد رفيق الحريري، وكانت الداعم الأساسي لمسيرة الرئيس سعد الحريري وللحريرية السياسية.

من هنا، رأى كثيرون أن هذه الخطوة لم تُقرأ كعودة جامعة، بل كإجراء صدامي تجاه رمزية سياسية وعائلية حساسة، ما أضاف إلى رصيد الانتقادات بدل أن يساهم في ترميم الثقة أو بناء جسر تواصل مع العائلة قبل الجمهور.


اختفاء متكرّر يعمّق فقدان الثقة

يأتي اختفاء بهاء الحريري اليوم ليُفاقم هذه الصورة أكثر. فالرجل الذي يؤسّس حزبًا ويتحدّث عن الاستقرار في لبنان، يُفترض أن يكون حاضرًا باستمرار، لا أن يغيب كلما طُرحت الأسئلة الجدية حول دوره وخطوته التالية.

في السياسة، الغياب المتكرّر لا يُفسَّر عادة بالتحضير، بل يُقرأ كعلامة تردّد، أو كعجز عن الانتقال من مرحلة الإعلان إلى مرحلة الفعل.

في المحصّلة، يبدو أن "المسار الوطني" حتى الآن لم يتحوّل إلى مسار فعلي، بل بقي إطارًا شكليًا يفتقر إلى العمل الميداني والتنظيمي. وبين الذهاب والإياب، والشعارات غير المترجمة، والحضور المتقطّع، تتقدّم علامات الاستفهام على أي مؤشرات جدّية.

وفي بلد أنهكته الوعود الفارغة، لم يعد اللبنانيون ينتظرون أسماء أو شعارات، بل أفعالًا ملموسة على الأرض. وحتى إشعار آخر، يبقى السؤال مشروعًا:

هل ينتقل بهاء الحريري و"المسار الوطني" من مرحلة الكلام إلى مرحلة العمل؟

أم أنّ هذا المسار سيتوقّف عند حدوده النظرية… كما حصل مرارًا من قبل؟