وصل أمس البابا لاوون الرابع عشر إلى بيروت، في زيارة تُشكّل نقطة بيضاء في خضمّ الواقع القاتم الذي يعيشه البلد، خصوصًا في ظلّ الأزمات السياسية، الاقتصادية، المعيشية والأمنية التي تعصف به، لعلّ أبرزها التهديدات الإسرائيلية الأخيرة حول إمكان عودة الحرب بعد مرور عام كامل على توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار.
وتكتسب الزيارة أهمية بالغة في تمتين أواصر العيش المشترك في هذا البلد، خصوصًا بعد الانقسام المستجدّ إثر طرح موضوع نزع سلاح حزب الله. وما اللقاء الروحي الجامع الذي سيُعقد، بحضور البابا لاوون، في وسط بيروت، تحت ظلال مسجد محمد الأمين وكاتدرائية مار جاورجيوس المارونية، إلّا سبيلًا للتأكيد على هذا العيش، ورفض شتّى أنواع الفتنة والتفرقة، بالإضافة إلى إعادة بيروت إلى موقعها الطبيعي: مدينة النور، المحبة، السلام والعيش المشترك.
منصّة "بالعربي" استطلعت آراء عدد من نواب بيروت حول هذه الزيارة، رمزية ودلالات اللقاء الروحي في وسط العاصمة.
ثمّن عضو كتلة الجمهورية القوية النائب غسان حاصباني الزيارة، معتبرًا أنّ لها دلالات كثيرة في توقيتها ومكانها، لكونها من أوائل الزيارات التي يقوم بها البابا خارج الفاتيكان، خصوصًا في هذه المرحلة التي يمر بها لبنان، مشيرًا إلى أنّها تعيد التذكير برسالة لبنان، رسالة التعايش، التعددية، التسامح وحوار الحضارات والأديان.
وأشار إلى أنّها تعيد التذكير بدور لبنان في هذه المنطقة، كجسر عبور بين حضارات الشرق والغرب ونقطة التقاء للأديان.
أمّا عن اللقاء الروحي في وسط بيروت، الذي سيُعقد أمام ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مسجد محمد الأمين وكاتدرائية مار جاورجيوس، فأكّد حاصباني أنّ لساحة الشهداء، في التاريخ الحديث للبنان كما في تاريخه التأسيسي، دورًا أساسيًا، إذ شكّلت مكانًا لاجتماع تنوّع لبنان، بأطيافه وبأديانه، وهي الساحة التي تجمع جميع اللبنانيين في الفرح والمحطات الصعبة. وهذا اللقاء الذي سيُقام فيها اليوم يحمل دلالة كبيرة، فهو يجمع اللبنانيين على ما هو جميل وإيجابي، على الحوار، التلاقي والإيمان ببلدهم، وتحت بركة عظيمة من الحبر الأعظم، لكي يبقى كلّ تجمع يحدث في هذه الساحة تحديدًا تجمعًا إيجابيًا يصبّ في مصلحة لبنان وخيره.
بدوره، نوّه النائب وضاح الصادق بأهمية زيارة البابا، معتبرًا أنّ مواكبتها من قبل كل وسائل الإعلام في العالم ستُظهر لبنان بصورته الحضارية المنفتحة ووطن الرسالة.
وعمّا إذا كانت زيارة البابا سبيلًا لتخليص اللبنانيين من واقعهم، دعا الصادق إلى أن نعود إلى الواقعية، وقال: نحن جميعًا نؤمن بالصلاة، إلّا أنّنا بحاجة إلى أن نساعد أنفسنا كما دعانا الله. حضور البابا هو بركة ورسالة كبيرة جدًا من الفاتيكان ومن البابا إلى لبنان.
ورأى أن وجود البابا في بيروت، واللقاء الروحي الجامع الذي سيُعقد في وسطها، يعبّران عن أهمية بيروت بالنسبة إلى المنطقة والعالم.
وأشار الصادق إلى أن بيروت تعود تدريجيًا لاستعادة دورها بعد غياب طويل، خصوصًا منذ العام 2010 حين أُبعِدَ لبنان عن حضنه العربي، مذكّرًا بزيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى لبنان في أيام الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
وأمل بأن تكون زيارة البابا بركة ربانية ودينية تساهم في حدوث معجزة لحماية لبنان، مشدّدًا في المقابل على أن يصنع اللبنانيون تلك المعجزة.
أمّا النائب نديم الجميل فرأى أن أهمية الزيارة تكمن في الظروف الصعبة التي يمر بها المسيحيون، ليس فقط في لبنان بل في الشرق الأوسط كله، بعد الحروب، المجازر والتهجير الذي شهدته دول العراق وسوريا، وبعد ما حصل من دمار وحروب غزة.
وأكد أن التحديات التي يواجهها لبنان اليوم من محاولات تغيير هويته وطرح تساؤلات حول مستقبل الوجود المسيحي تجعل من هذه الزيارة خطوة محورية تحمل معها محاولة إعادة تكريس وطمأنة للوجود المسيحي وسط كل هذه التحولات.
وبحسب الجميل، فإن الزيارة تكتسب أهمية إضافية كونها الأولى للبابا خارج الفاتيكان، ما يعكس بوضوح المكانة التي يوليها لكنائس الشرق الأوسط ولمسيحيي لبنان بشكل خاص.
ورأى أنه من واجبنا اليوم أن نلتقط هذه الرسالة وأن نسعى من هذه الزيارة لإعادة تأكيد ثقتنا بأنفسنا، دورنا وفعاليتنا في لبنان وفي الشرق الأوسط الجديد.
وقال الجميل: كما لعب المسيحيون دورًا أساسيًا في تاريخ لبنان بتحديد هويته منذ مئات السنين وساهموا في استقراره وازدهاره، يُطلب منهم اليوم أن يستعيدوا دورهم الطبيعي وسط الصراعات المتعددة التي يشهدها العالم العربي، وصولًا إلى المساهمة في ترسيخ السلام والاستقرار.
وتابع: نأمل في هذه الزيارة رسالة واضحة لتجديد الالتزام والدور المسيحي وأن تكون أيضًا رسالة انفتاح، تجدّد وتحديث للكنيسة المارونية وكنائس الشرق، لكي تتطور، تنفتح وتقوم بدورها الحقيقي في مواجهة تحديات هذا العصر، اليوم، غدًا وعلى الدوام.
وشدد الجميل على أنَّ وسط بيروت كان دائمًا وسيبقى الجسر بين الشرق والغرب، بين المسلمين والمسيحيين، وبين العرب والفرس، وكل الحضارات التي أتت واحتلّت لبنان ثم غادرته. وستبقى بيروت همزة الوصل بين العالم أجمع.
وختم: لا أستغرب أن يأتي البابا إلى وسط بيروت ليجمع مكوّنات المجتمع اللبناني ويُرسّخ وحدة حقيقية في لبنان، من قلب العاصمة تحديدًا. فهذا هو دور بيروت أمس، اليوم وغدًا.
من جهته، أكّد النائب محمد خواجة أن زيارة البابا، بشخصه ورمزيته، مُرحَّب بها من قبل جميع اللبنانيين، وهذا ما سنراه في المطار، في المناسبات، وضمن القداس الذي سيُقام في مدينة بيروت، لافتا إلى أن الزيارة تعزز العيش المشترك.
وأشار إلى أن هذا العيش ينبغي أن يُعزَّز من قبل المواطنين أنفسهم، لا من خلال الزيارات، مُشددًا على أنّهُ على اللبنانيين استثمار ذلك في الاتجاه نحو دولة المواطنة، وبناء مجتمع مواطنين حقيقي يفخر فيه كل واحد منا بدينه ومذهبه، لكن من غير أن يُصرَف هذا الانتماء الديني أو المذهبي في الحياة العامة كما يحصل اليوم، ومن غير أن يكون ذلك منصوصًا عليه في الدستور أو متجذرًا في بنية الدولة.
ولفت خواجة إلى أن لبنان ليس البلد الوحيد ذي التنوع الطائفي، بل هو أصغرها. وقال: نحن مواطنون، وهذا وطننا النهائي، ولا وطن لنا غيره. جميع اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم، مناطقهم، أفكارهم وتوجهاتهم، ينبغي أن ينطلقوا من هذه القاعدة. وعندها فقط تصبح زيارة البابا أو أي ضيف عزيز على لبنان أكثر فعالية وأكثر قدرة على التأثير في وطننا.