August 24, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

آلان حكيم: صندوق النقد "شهادة ثقة".. وأموال المودعين لا تُستعاد من جيوب المواطنين

بعد إقرار مجلس النواب تعديلات قانون معالجة أوضاع المصارف وإعادة هيكلتها، أشاد صندوق النقد الدولي بها واعتبرها خطوة مهمة نحو إصلاح القطاع المصرفي، خصوصا وأنها جاءت استجابة لملاحظاته ومطالبه. وفي المقابل، حذر الصندوق من أن تحديات تنفيذ القانون قد تؤدي إلى مزيد من التأخير في تعافي الاقتصاد اللبناني، الذي أنهكته سنوات من الانهيار المالي والحرب.

وفيما يعول لبنان على صندوق النقد للحصول على التمويل واستعادة الثقة الدولية، يشترط الصندوق تنفيذ إصلاحات أساسية للمضي في برنامجه مع لبنان، في ظل رفض الكثيرين الاستدانة منه بسبب الشروط التي يفرضها، والمخاوف من كلفة هذه الإصلاحات وقدرة لبنان على تحملها. فهل بات صندوق النقد الخيار الواقعي الوحيد أمام لبنان، وما أهمية تعديلات قانون المصارف في هذه المرحلة؟

وفي قراءة لأهمية هذه الخطوة، أكد وزير الاقتصاد السابق وعضو المكتب السياسي في حزب الكتائب البرفسور آلان حكيم أن أهمية التعديلات الأخيرة على قانون إعادة هيكلة المصارف تكمن أولا في نقل لبنان من مرحلة نقاش نظري استمرت سبع سنوات حول إعادة هيكلة القطاع المصرفي إلى وضع إطار قانوني يمكن من خلاله البدء بالعمل الفعلي، مشددا على أن القانون ليس كافيا بحد ذاته وأن الأهمية الحقيقية ستظهر عند التطبيق.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن التعديلات عززت آلية معالجة المصارف المتعثرة، ووضعت إطارا واضحا لإعادة الهيكلة أو التصفية، بما يسمح بتحديد المصارف القادرة على الاستمرار وتلك التي يجب أن تخرج من السوق، كما عالجت توزيع الصلاحيات بين مصرف لبنان والهيئات الرقابية، مع تعزيز دور الهيئة العليا للمصارف، لافتا إلى أن هذه الجوانب تقنية ولا تمس المودع مباشرة، لكنها ضرورية لإعادة تنظيم القطاع بما ينسجم مع المعايير الدولية. وأشار إلى أن الوقت الضائع خلال السنوات الماضية كان مشكلة كبيرة.


وشدد حكيم على أن الأهمية الفعلية للقانون ستظهر عند الانتقال إلى تحديد الخسائر والمسؤوليات، وتقييم أصول المصارف ومصرف لبنان، وتحديد من سيتحمل الخسائر وحجم الودائع التي يمكن إعادتها وما إذا كانت عملية الاسترداد ستحصل على مراحل، إلى جانب تحديد المصارف القابلة للاستمرار وتلك التي تحتاج إلى إعادة رسملة أو يجب أن تخرج من السوق، معتبرا أن إعادة الهيكلة لا ينبغي أن تكون مجرد عملية حسابية لتوزيع الخسائر، بل يجب أن تؤدي إلى إعادة بناء قطاع مصرفي متين وسليم قادر على جمع الودائع ومنح القروض وتمويل الاقتصاد واستعادة الثقة، مع احترام ترتيب تحمل الخسائر بالتوازي مع قانون الانتظام المالي.


ورفض اعتبار أن صندوق النقد الدولي هو الخيار الوحيد أمام لبنان، على الرغم من تأكيده أنه يمثل في الظروف الحالية "الإمضاء الدولي والمالي" الضروري لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية، وإعادة الاستثمارات إلى لبنان وتأمين التمويل، متحدثا عن وجود إمكانات وبدائل يمكن الاستفادة منها، بينها المساعدات والاستثمارات العربية والدولية، مع أهمية الدور الخليجي والاستثمارات الأجنبية وتمويل إعادة الإعمار، إضافة إلى الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP).


كما ركز حكيم على ضرورة الاستفادة من أصول الدولة ومواردها بطريقة علمية وشفافة وبإدارة رشيدة، معتبرا أن ذلك يمكن أن يشكل أحد المسارات الأساسية لإعادة أموال المودعين. وأكد أن استعادة الودائع لا ينبغي أن تقوم على الضرائب أو تحميل المواطن أعباء إضافية، بل على موارد الدولة وأصولها، سواء الذهب أم غيره. لكنه أوضح أن هذه البدائل لا تحل الأزمة منفردة، وأن المطلوب توحيد الجهود ضمن برنامج إصلاحي متكامل.


واعتبر أن صندوق النقد "شهادة ثقة" دولية، لكنه لا يجب أن يتحول إلى جهة تفرض برنامجا من الخارج، لأن الإصلاحات يجب أن تكون مسؤولية الدولة اللبنانية واللبنانيين، لافتا إلى أن التوصل إلى اتفاق مع الصندوق يمكن أن يفتح أبوابا أمام مصادر تمويل واستثمارات جديدة، شرط أن يأتي ضمن خطة إصلاحية واضحة. وشدد على أن لبنان بحاجة إلى دعم خارجي كبير، لكنه في الوقت نفسه لا يحتاج إلى من يكتب له ما يجب أن يفعله، بل إلى التخطيط والتنفيذ وتحمل المسؤولية عن مستقبله المالي.


وفي ما يتعلق بكلفة الإصلاحات، أكد حكيم أن لبنان قادر على تحمل إصلاحات قاسية، مشيرا إلى أن المشكلة ليست في الإصلاح بحد ذاته، بل في التأخير وكيفية توزيع كلفته اجتماعيا. ولفت إلى أن صمود الاقتصاد اللبناني خلال سنوات الأزمة يعطي أملا بإمكان تنفيذ إصلاحات قاسية من دون الوصول إلى خسارة شاملة. كما شدد على أن مسؤولية الخسائر يجب أن تتوزع على الجهات التي ساهمت في نشوئها، وفي مقدمها المؤسسات المالية ومصرف لبنان.


وحذر من أن تأجيل الإصلاح يجعل القرارات أكثر صعوبة ويرفع كلفتها الاجتماعية والاقتصادية والمالية، معتبرا أن عدم الإصلاح له كلفة كبيرة أيضا، خصوصا مع استمرار الاقتصاد النقدي وغير الرسمي وانهيار القطاع المصرفي والنمو غير الطبيعي، بما يضعف الدولة ويقلل الثقة بها. ودعا إلى تنفيذ إصلاحات تدريجية وعلى مراحل، مع حماية الفئات الأكثر ضعفا ووضع المودعين في صلب الخطة، بالتوازي مع إصلاح المالية العامة والإدارة العامة ومكافحة التهرب الضريبي والفساد والهدر وإعادة بناء المؤسسات، بدل فرض ضرائب تتحول، بحسب تعبيره، إلى "خوة على المواطن".


ورأى حكيم أن الحرب تصعب تنفيذ الإصلاحات، لكنها تجعلها أكثر ضرورة، لأن لبنان يحتاج إلى إعادة الإعمار والاستثمار والتمويل الخارجي، وهي أمور لا يمكن تحقيقها في ظل الوضع الاقتصادي والمالي الحالي، مؤكدا أن المفتاح هو تطبيق القوانين وليس إصدارها فقط، إلى جانب الحاجة إلى إدارة رشيدة وشفافية وحوكمة.


وفي ملف المودعين، دعا إلى خطاب واضح وصريح، مؤكدا أنه لا توجد "عصا سحرية" تسمح بإعادة الودائع بالدولار كما كانت قبل الانهيار، لأن الحجم المالي المطلوب غير واقعي، لكن لا يعني ذلك التخلي عن حماية المودع. وشدد على أن إعادة الهيكلة وترتيب تحمل الخسائر يجب أن ينطلقا من تحديد المسؤوليات وتوزيعها على الدولة ومصرف لبنان والمصارف، إضافة إلى معالجة ملف الأموال المنهوبة واستعادتها، مؤكدا أن الهدف هو تأمين استرداد الودائع تدريجيا وفعليا من خلال أصول الدولة والصناديق المالية وغيرها من الأدوات الممكنة.


وشدد حكيم على أن لبنان لا يحتاج اليوم إلى قانون مصرفي جديد فحسب، بل إلى آلية عمل تقوم على تحديد الخسائر بشفافية، وتوزيعها بعدالة، وإعادة بناء قطاع مصرفي قادر على استعادة الودائع وتمويل الاقتصاد، مؤكدا أن صندوق النقد يمكن أن يساعد لبنان في هذا المسار، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الدولة اللبنانية ودور اللبنانيين في تنفيذ الإصلاحات.


في النهاية، قد تكون تعديلات قانون المصارف خطوة مهمة، وقد حظيت بإشادة صندوق النقد، لكن العبرة تبقى في التنفيذ. فالمشكلة الحقيقية في لبنان ليست في إقرار القوانين بل في ترجمتها على الأرض، وهو ما يجعل الاختبار الحقيقي لهذه التعديلات في وضعها على مسار التنفيذ الفعلي.