تفتح الزيارة المرتقبة لوفد اقتصادي إماراتي رفيع المستوى، يضم 67 من أبرز القيادات الاقتصادية ورجال الأعمال، إلى لبنان يومي 26 و27 آب الحالي، الباب أمام مرحلة جديدة من تنشيط العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين، وإمكان عودة الاستثمارات العربية إلى السوق اللبنانية بعد سنوات من الانهيار المالي والنقدي والمصرفي الذي بدأ في العام 2019.
وتعيد الأزمة الراهنة، بما رافقها من انهيار للعملة وتآكل للقدرة الشرائية وتراجع للثقة وانهيار القطاع المصرفي، إلى الأذهان الأزمة النقدية التي شهدها لبنان في ثمانينيات القرن الماضي، لا سيما بين عامي 1984 و1988، حين بلغت معدلات التضخم مستويات قياسية وتدهورت الليرة بشكل حاد.
وتأتي الزيارة في سياق مسار متدرج لإعادة تفعيل العلاقات اللبنانية - الإماراتية، فيما تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الاستثمارات الإماراتية السابقة في لبنان، والتي تجاوزت 7 مليارات دولار وشملت قطاعات حيوية عدة.
ومن المتوقع أن يبحث الوفد فرص الاستثمار والتعاون في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والطاقة والنفط والتنقيب، بما يجعل الزيارة اختبارا لقدرة لبنان على استعادة ثقة المستثمر الخليجي وتحويل الانفتاح الاقتصادي إلى استثمارات وشراكات فعلية تدعم مسار التعافي.
وعن أهمية الزيارة وأبعادها، تحدث رئيس الهيئات الاقتصادية الوزير السابق محمد شقير، معتبرا أن زيارة الوفد الاقتصادي الإماراتي، الذي يضم 67 رجل أعمال ومستثمرا، ترتبط بشكل مباشر بزيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى الإمارات ولقائه رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حيث اتُفق على إنشاء مجالس لرجال الأعمال بين البلدين.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الجانب اللبناني بادر إلى إنشاء مجلس رجال أعمال لبناني - إماراتي، فيما أنشئ في الإمارات مجلس مماثل، متحدثا عن وجود مذكرة تفاهم يفترض توقيعها بين اتحاد الغرف اللبنانية واتحاد غرف التجارة والصناعة الإماراتية في هذا الشأن. وقال إن توقيع المذكرة وتأخر الزيارة أكثر من مرة كانا نتيجة الأوضاع الأمنية والحرب في لبنان والمنطقة، إلى أن اتخذ القرار بزيارة الوفد بيروت الأربعاء المقبل.
وشدد شقير على أن وصول وفد بهذا الحجم والوزن يمثل رسالة دعم ومحبة إلى لبنان والشعب اللبناني، معتبرا أن الزيارة مهمة جدا للبنان ولمستقبل العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
وفي ما يتعلق بالمشاريع والملفات التي ستبحث، أكد أن الأولوية يجب أن تكون لتقديم مشاريع استثمارية، وليس طلب الإعانات والمساعدات. وقال: هذا الموضوع ولى عليه الزمن، والمطلوب اليوم عرض فرص استثمارية تحقق الفائدة للطرفين، بحيث يستفيد لبنان والمستثمر في آن معا.
وعن إمكان عودة الاستثمارات الإماراتية إلى مستوياتها السابقة، لا سيما وأن الاستثمارات الإماراتية في لبنان تجاوزت قبل الأزمة في العام 2019 7 مليارات دولار، رأى أن لبنان يمتلك فرصا استثمارية واعدة، وأن المستثمرين يمكن أن يعودوا إليه، شرط انتهاء الحرب. وقال إن أهم شيء أن تنتهي الحرب"، معتبرا أن الاستقرار يشكل العامل الأساسي لتأمين بيئة استثمارية مطمئنة.
ولفت شقير إلى أن الوضع الأمني لا يزال خطيرا في المنطقة ككل، وليس في لبنان وحده، مشيرا إلى أن المستثمر بطبيعة الحال يدرس الظروف ويحتاج إلى الوقت قبل اتخاذ قراراته. وشدد، في المقابل، على ضرورة أن يكون لبنان جاهزا لعرض المشاريع والفرص المتاحة في مختلف القطاعات.
وأعرب عن ثقته بأهمية الزيارة، مؤكدا أن القطاع الخاص اللبناني سيكون حاضرا وجاهزا لبحث فرص التعاون والشراكات. ولفت إلى أن العلاقات الاقتصادية والشراكات بين اللبنانيين والإماراتيين تمتد لعشرات السنوات، مشيرا إلى إمكان طرح مشاريع استثمارية في لبنان، إلى جانب شراكات مشتركة خارج لبنان، لا سيما في العراق وسوريا.
وفي ما يتعلق بعودة لبنان إلى الحضن العربي، اعتبر شقير أن دور رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب أسهم في إعادة لبنان إلى محيطه العربي، مشددا على أهمية الدعم السعودي للبنان، خصوصا إعادة حركة الشحن والتصدير إلى المملكة. ووصف الأمر بأنه بادرة مهمة جدا.
وأكد أن لبنان ينتظر انتهاء الحرب وهدوء الأوضاع لاستقبال الأشقاء من السعودية وسائر دول الخليج، مشددا على أن تحسين العلاقات مع الدول العربية، لا سيما الخليجية منها، يمثل مصلحة أساسية للبنان. وقال: هيدا وضعنا الطبيعي، وهيدا مطرحنا الطبيعي.
على أي حال، يقف لبنان اليوم أمام فرص إنقاذ حقيقية لا ينبغي له، بأي شكل من الأشكال، إضاعتها. فرص من شأنها أن تؤمن له الاستقرار الأمني بعد سنوات من الحروب والدمار، وتفتح أمامه أبوابا مالية واقتصادية واستثمارية تعيد النبض إلى اقتصاده المتهالك بفعل الأزمة الخانقة التي يعيشها اللبنانيون منذ العام 2019. أما إنقاذ لبنان، فلا يمكن أن يتحقق إلا عبر تلقف يد العون التي يسعى أشقاؤه العرب، لا سيما الخليجيون، إلى مدها إليه، وهو ما يتطلب من الدولة اللبنانية اغتنام هذه الفرصة لما فيه مصلحة البلد وشعبه.