August 24, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

جاسم عجاقة: إغلاق القرض الحسن بحاجة إلى قرار سياسي

ذهب مصاغ خارج خزائن القرض الحسن، والليرات والأونصات تتقدم إلى الواجهة. فبحسب مصادر "الحدث"، قرار جديد يحصر رهن الذهب بالقطع ذات المواصفات المعيارية، في خطوة تأتي في ظل تداعيات الحرب، وتعيد فتح باب التساؤلات حول إدارة المؤسسة لموجوداتها وآلية عملها.

وفي هذا السياق، قال أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية البروفسور جاسم عجاقة إن هذا الإجراء ينظر إليه اقتصاديا كاستراتيجية لـ De-risking، أي تقليل المخاطر، بالتوازي مع تكثيف الأصول الموجودة لدى الجمعية، موضحا أن الإجراء، من الناحية الاقتصادية، لا يعد بالضرورة مؤشرا إلى إفلاس أو انهيار.


وفي تفسيره لأبرز الأسباب، قال عجاقة إن هناك نقطتين أساسيتين تبرران هذا التوجه. أولا، يرتبط الأمر بتقليص حجم الذهب المخزن، إذ إن الذهب المصاغ يحتاج إلى مساحات تخزين كبيرة، كما يتطلب تدقيقا مستمرا لمعرفة ملكية كل قطعة وتحديد صاحبها. في المقابل، فإن الليرات والأونصات الذهبية معروفة ومعاييرها Standard، كما أن حجمها أصغر، ما يسهل عمليات التخزين والنقل، لا سيما في حال حصول استهداف مباشر، كما حدث عندما استهدفت إسرائيل المؤسسة بضربات مباشرة. أما النقطة الثانية، فتتعلق بالسيولة، إذ إن الأونصات والليرات الذهبية يمكن بيعها وشراؤها مباشرة في السوق، ما يجعل تسييلها أسهل لدى تجار الجملة، من دون الحاجة إلى الخصم نفسه الذي قد يطبق على الذهب المصاغ.


وفي هذا الإطار، أشار إلى أن الذهب المصاغ يحتاج إلى إعادة صهر، ما يرتب كلفة إضافية، وبالتالي قد يطلب المشتري سعرا أقل.


ومن هنا، رأى عجاقة أن القراءة الاقتصادية للإجراء تجعله أقرب إلى استراتيجية لوجستية تهدف إلى تحصين عمليات التخزين، وتسهيل تسييل الموجودات، وتقليص تداعيات أي استهداف مباشر.


وخلص إلى أن التغيير الأساسي يطال الـ Operational Side، أي الشق التشغيلي في عمل المؤسسة.


وعن كيفية استمرار القرض الحسن في العمل رغم تعليق رخصته، أوضح أن المؤسسة لا تزال تعمل وفق نموذج تشغيلي محدد، على الرغم من تأسيسها على شكل جمعية، ووقف رخصتها وعدم منحها رخصة جديدة من وزارة الداخلية. وبحسب عجاقة، لا يستخدم القرض الحسن نظام الـ Clearing House التابع لمصرف لبنان، ولا يعتمد نظام الـ SWIFT، ويمكن وصفه بنظام مالي مغلق يعتمد على الكاش والذهب.


وفي ما يخص آلية التمويل، شرح عجاقة أن القروض تمنح بالدولار مقابل ضمانات من الذهب، تتراوح، بحسب قوله، بين 80 و100 في المئة من قيمة القرض، فيما تؤمن المؤسسة السيولة بالدولار من خلال تسديد المقترضين للقروض التي حصلوا عليها. وقال إن السيولة قد تأتي أيضا، في بعض الأحيان، من قنوات تمويل خارجية، عبر آليات عدة، من بينها التحويلات والتسليم المباشر وغيرها.


أما في ما خص تعليق رخصة الجمعية من وزارة الداخلية، فاعتبر أنه إجراء إداري، فيما يتطلب إغلاق مؤسسة بحجم القرض الحسن قرارا أمنيا وقضائيا، في ظل واقع يتجاوز، بحسب تعبيره، صلاحيات السلطة النقدية والأمنية، لافتا إلى أن إمكانات الضبط القانوني المباشر، من دون قرار سياسي واضح وقدرة على تنفيذ هذا القرار، تبقى محدودة، وبالتالي فإن تعليق الرخصة وحده لا يؤدي إلى إغلاق المؤسسة.


وفي ما يتعلق بالجهات التي يمكن أن تتحرك، أوضح عجاقة أن هناك، نظريا، أربع جهات يمكن أن تتحرك على هذا الصعيد، كما تناول أسباب عدم إغلاق القرض الحسن حتى اليوم. وقال: يستطيع مصرف لبنان، استنادا إلى المادة 206 وما يليها من قانون النقد والتسليف، اتخاذ إجراء قانوني ضمن صلاحياته. أما هيئة التحقيق الخاصة، فيمكنها التحرك في كل ما يتعلق بمعايير مجموعة العمل المالي الدولية (FATF). كما تدخل وزارة الداخلية والبلديات، إلى جانب القضاء الذي يملك صلاحية إصدار القرارات اللازمة، ضمن الجهات المعنية بهذا الملف.


وفي تفسيره لاستمرار المؤسسة حتى اليوم، اعتبر أن القرض الحسن يشكل محركا بنيويا لاقتصاد البيئة الحاضنة للحزب، باعتباره مصدر إقراض منخفض الكلفة لآلاف العائلات، وربما لعشرات الآلاف منها، مشيرا، في المقابل، إلى أن القطاع المصرفي الشرعي يعاني من أزمة كبيرة منذ عام 2019، ما يجعل إغلاق مؤسسة بحجم القرض الحسن بحاجة، بحسب رأيه، إلى قرار سياسي مدعوم بقرار تنفيذي. وقال إن هذا الأمر غير متوافر حاليا، نظرا إلى موازين القوى السياسية والأمنية الموجودة في لبنان.


فهل حصر الرهن بالليرات والأونصات مجرد إجراء احترازي فرضته تداعيات الحرب، أم أنه يكشف عن ضغوط متزايدة على القرض الحسن ومنظومته المالية؟