منطقة اقتصادية تفصل جنوب لبنان عن شمال إسرائيل. طرح يعود إلى الواجهة اليوم، مع حديث عن تحرك متسارع لإعداد دراسة لبنانية متكاملة، بالتنسيق مع الجانب الأميركي، لإطلاق ما يعرف بـ "منطقة السلام الاقتصادي" EPZ. المشروع لا يقتصر على إعادة إعمار ما تهدم، بل يطرح مقاربة مختلفة للجنوب، تقوم على الاستثمار والإنتاج والتصدير والتنمية المستدامة، انطلاقا من معادلة "السلام من خلال الازدهار".
وبحسب المعطيات المتداولة، تشمل الدراسة نحو 15 محورا، من بينها تطوير البنية التحتية، والمناطق اللوجستية، وخلق فرص العمل، مع طرح ربط الجنوب بالشبكات التجارية الإقليمية المرتبطة بممر IMEC.
فهل يمكن أن يتحول هذا الطرح إلى مشروع فعلي على الأرض، في ظل الدفع الأميركي باتجاهه، أم أن الطريق لا يزال محفوفا بعوائق سياسية وأمنية واقتصادية؟
وفي هذا السياق، اعتبر الاقتصادي وليد أبو سليمان أن الطرح يمكن أن يتحول إلى مشروع قابل للتطبيق، لكن ذلك يتطلب توافر شروط سياسية وأمنية واقتصادية واضحة. وقال إن الفكرة بحد ذاتها قابلة للتنفيذ، إلا أنها لا تزال تحتاج إلى تحديد نطاقها الجغرافي، ووضع إطار قانوني واضح، وتأمين مصادر التمويل، وتحديد آليات الحوكمة، إلى جانب توفير الحوافز اللازمة لجذب الاستثمارات.
ولفت عبر منصة "بالعربي" إلى أن الضغط الأميركي قد يساهم في تسريع المسار، لكنه لا يكفي وحده، مشيرا إلى أن نجاح المشروع يتطلب أن تتبناه الدولة اللبنانية ضمن رؤية وطنية واضحة، وألا يتحول إلى مشروع مفروض من الخارج.
أما في البعد الاقتصادي، فاعتبر أن "منطقة السلام الاقتصادي" يمكن أن تشكل بوابة جديدة للبنان نحو الاقتصاد الإقليمي، إذا صممت كمنصة لبنانية للإنتاج والتصدير والخدمات اللوجستية، وليس كمنطقة مرتبطة اقتصاديا بإسرائيل، موضحا، في هذا الإطار، أن موقع الجنوب يمكن أن يسمح بتطوير قطاعات عدة، أبرزها الزراعة، والصناعات الغذائية والخفيفة، والخدمات اللوجستية، والطاقة والسياحة.
وبشأن ربطها بـ IMEC، دعا أبو سليمان إلى التعامل مع الأمر بواقعية، موضحا أن لبنان ليس جزءا من المسار المعلن حاليا، لكن يمكنه أن يسعى إلى أن يكون جزءا من الشبكات الإقليمية المرتبطة به مستقبلا.
وعلى صعيد استفادة لبنان اقتصاديا، اعتبر أن إمكان تحول المنطقة إلى مشروع حقيقي لإعادة إعمار الجنوب يشكل الفرصة الأهم، مشددا على ضرورة ألا تستخدم الأموال لإعادة بناء ما تهدم فقط، بل لإعادة بناء اقتصاد أكثر إنتاجية.
وقال أبو سليمان إن المطلوب هو الانتقال من إعادة الإعمار (Reconstruction) إلى التحول الاقتصادي (Economic Transformation)، من خلال إنشاء مناطق صناعية، وتطوير زراعة ذات قيمة مضافة، ومراكز لوجستية، وتأمين التمويل للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب تطوير قطاعات الطاقة والمياه والاتصالات، وتعزيز التدريب المهني، وتوفير حوافز للاستثمار والتصدير. وبحسب رأيه، تصبح إعادة الإعمار عندها استثمارا في المستقبل، وليس مجرد استعادة لما كان قائما قبل الحرب.
أما بالنسبة إلى الفوائد التي يمكن أن تجنيها إسرائيل، فأشار إلى أن أي انخفاض مستدام في مستوى التوتر على الحدود سيحقق لها فوائد غير مباشرة، لا سيما لناحية خفض مخاطر الحرب والأضرار الاقتصادية والأمنية، مشددا، في المقابل، على أن ذلك لا ينبغي أن يكون الهدف اللبناني من المشروع. وأكد أن مصلحة لبنان تكمن في بناء اقتصاد جنوبي قوي ومستقل.
وقال أبو سليمان إن السلام الاقتصادي لا يعني أن يصبح لبنان أو الجنوب تابعا اقتصاديا لإسرائيل، بل أن يصبح الاستقرار نفسه أكثر قيمة للبنان ولأهله.
وفي ما يتعلق بأهالي الجنوب، شدد أبو سليمان على أنهم يجب أن يكونوا المستفيد الأول من المشروع، موضحا أن الفائدة الحقيقية لا تقتصر على إعادة بناء المنازل، بل تشمل خلق وظائف مستدامة، ورفع مستوى الدخل، ودعم المزارعين والمؤسسات المحلية، وتحسين قطاعات الكهرباء والمياه والطرق والاتصالات، إضافة إلى توفير بيئة تمكن الشباب من بناء مستقبلهم في الجنوب بدلا من الهجرة منه.
ولفت إلى أن الأهم هو أن يحصل أبناء المنطقة على حصة حقيقية من الملكية والاستثمار، وألا يتحولوا فقط إلى عمال في مشاريع يملكها مستثمرون من الخارج.
أما عن إمكان أن تغير المنطقة طبيعة اقتصاد الجنوب بالكامل، فاعتبر أبو سليمان أن ذلك ممكن، وهو السيناريو الذي يجب أن يطمح إليه لبنان.
وأوضح أن الجنوب يجب ألا يبقى عالقا في دورة: حرب → دمار → مساعدات → إعادة إعمار → حرب جديدة، بل المطلوب الانتقال إلى نموذج يقوم على الإنتاج → الاستثمار → التصدير → الوظائف → النمو المستدام، مشددا على أن تحقيق ذلك لا يرتبط بمجرد إنشاء منطقة اقتصادية، بل يحتاج إلى استقرار أمني، ودولة ومؤسسات فعالة، وبنية تحتية متطورة، وتمويل طويل الأجل، وقوانين تحمي المستثمر والمنتج اللبناني.
ويبقى السؤال الأهم: هل "السلام الاقتصادي" مجرد مشروع لإعمار الجنوب وتنميته، أم أنه مقدمة لترتيبات سياسية وأمنية جديدة تعيد رسم مستقبل الجنوب وعلاقته بالمنطقة؟