August 11, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

سامر كبارة: تحوّل معمل دير عمار إلى الغاز الطبيعي يساهم في تحسين كفاءة الإنتاج

بعد سنوات من بقاء خط الغاز العربي خارج الخدمة، انطلقت أخيرا أعمال صيانته، في خطوة تعيد هذا الملف إلى مسار التنفيذ، بعدما أعلن وزير الطاقة والمياه جو الصدي أن شركة مصرية باشرت العمل على الخط، على أن تنجز مهمتها خلال نحو أربعة أسابيع. واللافت في كلام الصدي لم يكن فقط الحديث عن تأهيل الخط، بل عن إعادة تفعيل دور منشآت طرابلس والانتقال من مرحلة الخطط إلى التنفيذ.

فالغاز الذي سيتجه إلى معمل دير عمار قد يكون البداية، لكن السؤال الأوسع هو ماذا يمكن أن تفعل طرابلس بهذه العودة إلى خريطة الطاقة؟ وهل يمكن لخط الغاز، إلى جانب منشآت النفط والمرفأ والمصفاة والمنطقة الاقتصادية، أن يشكل أساسا لمنظومة اقتصادية تتجاوز تأمين الوقود لمعمل الكهرباء؟

في هذا السياق، أكد رجل الأعمال سامر كبارة أن الهدف المباشر في المرحلة الحالية من إعادة تأهيل خط الغاز العربي تمثل في إيصال الغاز الطبيعي إلى معمل دير عمار، معتبرا أن ذلك بحد ذاته تطور مهم. وأشار إلى أن القدرة الحالية للمعمل تبلغ نحو 465 ميغاواط، والتحول إلى الغاز الطبيعي يمكن أن يساهم في تحسين كفاءة الإنتاج وخفض كلفة الوقود والانبعاثات مقارنة بالمشتقات النفطية.


ورأى عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الخطأ الاستراتيجي سيكون في التعامل مع خط الغاز على أنه مجرد أنبوب لتغذية معمل واحد، مشددا على أن دير عمار يجب أن يكون نقطة الانطلاق الاقتصادية للخط، لا نقطة نهايته.


وأشار كبارة إلى أن الحديث يدور عن خط غاز يمتد لنحو 30 كيلومترا داخل الأراضي اللبنانية، ومنشآت نفطية في طرابلس بقدرة تخزينية تقارب 110 آلاف طن، ومعمل قائم بقدرة 465 ميغاواط، إضافة إلى مشروع محطة جديدة في دير عمار بقدرة 825 ميغاواط لا يزال ضمن مسار البحث والتمويل، معتبرا أن هذه الأصول مجتمعة، وفي نطاق جغرافي واحد، منحت طرابلس والشمال ميزة استراتيجية حقيقية. ولفت إلى أن المطلوب بعد تثبيت إمدادات دير عمار، هو تطوير الطلب الصناعي على الغاز في المنطقة الاقتصادية والمناطق الصناعية، بحيث يتحول الخط تدريجيا إلى بنية تحتية تخدم الكهرباء والصناعة والاستثمار. وقال: الفرصة الحقيقية ليست في وصول الغاز إلى طرابلس فقط، بل في ما يمكن أن نبنيه اقتصاديا حول وصوله.


وفي هذا السياق، أعلن أنه التقى أمس وزير المال ياسين جابر، الذي أبلغه أن شحن النفط الخام من البصرة العراق إلى حمص وطرابلس سيبدأ قريبا جدا، معتبرا أن هذه الخطوة ستشكل تطورا استراتيجيا يعيد منشآت النفط في طرابلس إلى مسار إقليمي للطاقة. ومع قدرة تخزينية تقارب 110 آلاف طن، أشار إلى أن الحديث لم يعد عن فكرة نظرية، بل عن إعادة إدخال طرابلس فعليا في مسار إقليمي للطاقة.


وشدد كبارة على ضرورة ألا تتوقف العملية عند التخزين، بل أن يبنى على هذه الخطوة لتحويل المنشآت إلى مشروع اقتصادي متكامل وقابل للاستثمار، محددا، في هذا الإطار، خمس خطوات واضحة، تبدأ بتدقيق تقني ومالي شامل للخزانات والأنابيب والمعدات والبنية البحرية، وتحديد ما يمكن تشغيله سريعا وما يحتاج إلى استثمارات جديدة. أما الخطوة الثانية، فتمثلت بحسب رأيه، في إعداد خطة أعمال تحدد الكميات والأسواق والزبائن المستهدفين وكلفة النقل والتشغيل والتخزين والإيرادات والعائد المتوقع على الاستثمار. ثم تأتي الخطوة الثالثة عبر تحويل الأصول والمشاريع إلى مشاريع قابلة للتمويل، من خلال دراسات جدوى واضحة، ونموذج إيرادات محدد، وعقود طويلة الأجل حيث يلزم، وتوزيع واضح للمخاطر.


واقترح رابعا إشراك القطاع الخاص وفق النموذج الأنسب لكل أصل، سواء عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص، أو عقود التشغيل أو الامتيازات الاستثمارية، مع الحفاظ على السيادة والرقابة العامة على الأصول الاستراتيجية. أما الخطوة الخامسة، فتمثلت وفقا لكبارة، في إنشاء آلية حكومية تنفيذية مشتركة تضم الجهات المعنية بالطاقة والنقل والمالية والاقتصاد والجمارك والأمن والاستثمار، لأن مشروعا بهذا الحجم لا يمكن أن يبقى محصورا ضمن وزارة واحدة.


أما المرحلة الثانية، فرأى كبارة أنها يجب أن تكون إعادة تأهيل وتفعيل مصفاة طرابلس للتكرير. وعندها، ينتقل لبنان من استقبال النفط الخام وتخزينه إلى تكريره وإنتاج مشتقاته، أي من مجرد إدارة أصل إلى خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد اللبناني، معتبرا أنها الفرصة الاستثمارية الحقيقية، بحيث يصل النفط الخام إلى طرابلس ويخزن فيها، والخطوة التالية هي بناء الجدوى الاقتصادية التي تسمح بإعادة تشغيل المصفاة وتحويل المدينة إلى مركز متكامل للطاقة.


وقال إن طرابلس لا تحتاج إلى اختراع أصول جديدة، فالأصول موجود، لافتا إلى أن المطلوب هو ربطها ببعضها وتحويلها إلى منظومة استثمارية واحدة قابلة للتمويل والتنفيذ.


وعلى المستوى الاقتصادي والإنمائي، اعتبر كبارة أن الأثر الأول لوصول الغاز إلى دير عمار سيكون وطنيا، من خلال تحسين كفاءة إنتاج الكهرباء، وإمكان خفض كلفة الوقود، وتقليل الاعتماد على المشتقات النفطية الأكثر كلفة وتلويثا. لكن بالنسبة إلى طرابلس والشمال، فرأى أن القيمة الاقتصادية الحقيقية تبدأ عندما تتحول الطاقة من خدمة أساسية إلى عنصر جذب للاستثمار.


وأوضح أن المستثمر الصناعي لا يسأل فقط عن سعر الأرض أو الإعفاءات الضريبية، سائلا: هل الطاقة متوافرة وبكلفة تنافسية؟ وهل يستطيع نقل بضاعته وتصديرها بسهولة؟ وهل توجد بنية تحتية ومرفأ وإطار قانوني يسمحان له بالاستثمار والنمو؟


ومن هنا، أشار كبارة إلى أهمية الربط بين دير عمار وخط الغاز والمنطقة الاقتصادية الخاصة ومرفأ طرابلس، معتبرا أن هذه المنظومة يمكن أن تعزز تنافسية الشمال في استقطاب الصناعات الغذائية والدوائية، والتبريد والتخزين، والخدمات اللوجستية والصناعات التصديرية وغيرها من القطاعات.


ولم يعتبر أنه من المهني الحديث عن أرقام عشوائية لآلاف فرص العمل قبل إنجاز دراسات جدوى اقتصادية حقيقية، مؤكدا أن الغاز وحده لا يصنع نهضة اقتصادية، لكنه يزيل أحد أهم العوائق أمام الاستثمار في لبنان: كلفة الطاقة وعدم استقرارها.


ولفت كبارة كذلك إلى البعد الوطني المتعلق بأمن الطاقة، معتبرا أن وجود خط غاز، وقدرات تخزين، ومرفأ، ووصول النفط الخام إلى منشآت طرابلس، وتنويع مصادر ومسارات التوريد، يمنح لبنان مرونة أكبر في مواجهة الأزمات وتقلبات أسعار الطاقة وانقطاع الإمدادات.


ومع إعادة تأهيل المصفاة في المرحلة الثانية، رأى أن لبنان ينتقل خطوة إضافية من التخزين إلى التكرير والإنتاج وخلق قيمة مضافة وفرص استثمارية جديدة، مشددا على أن الطاقة هنا ليست الهدف النهائي؛ هي البنية التحتية التي يمكن أن نبني حولها اقتصادا جديدا في طرابلس والشمال.


وانطلاقا من هذه الرؤية، اقترح كبارة التعامل مع هذه الأصول ضمن مشروع اقتصادي متكامل تحت عنوان "ممر طرابلس والشمال للطاقة والخدمات اللوجستي". وقامت الفكرة، بحسب طرحه، على ربط دير عمار، وخط الغاز، ومنشآت النفط، ومصفاة طرابلس، ومرفأ طرابلس، والمنطقة الاقتصادية الخاصة ضمن منظومة واحدة، ثم ربطها مستقبلا بالسكك الحديدية ومطار القليعات وشبكات التجارة والطاقة باتجاه سوريا والعراق وتركيا والأسواق العربية.


ووضع إنجاز تأهيل خط الغاز ضمن الجدول الزمني المعلن في مقدمة الأولويات، بالتوازي مع استكمال عقود شراء الغاز واتفاقيات عبوره، لأن "الأنبوب من دون غاز لا يصنع قيمة اقتصادية"، معتبرا، في الوقت نفسه، أن وصول النفط الخام إلى منشآت طرابلس للتخزين يعيد لهذه المنشآت وظيفة استراتيجية يجب البناء عليها، لا التعامل معها كعملية منفصلة. أما الأولوية الثانية، فتمثلت بحسب رأيه في وضع مخطط توجيهي تنفيذي موحد لهذه الأصول، يحدد حجم الاستثمارات المطلوبة، ومصادر التمويل، ونماذج الشراكة مع القطاع الخاص، والجدول الزمني، والجهة المسؤولة عن كل مشروع، ومؤشرات الأداء.


وأشار كبارة إلى أن الأولوية الثالثة، تكمن في إعادة تأهيل وتفعيل مصفاة طرابلس للتكرير كمرحلة ثانية، بحيث ينتقل لبنان من استقبال النفط الخام وتخزينه إلى تكريره وإنتاج المشتقات وخلق قيمة اقتصادية أكبر داخل لبنان. وهنا تتضح الصورة الاستثمارية، بحسب رأيه: دير عمار يشكل طلبا أساسيا على الغاز، ومنشآت النفط توفر قدرة التخزين، والمصفاة تضيف التكرير والإنتاج، والمرفأ يشكل بوابة بحرية، والمنطقة الاقتصادية تستقطب الصناعة، فيما توسع السكك الحديدية والمطار شبكة النقل والربط الإقليمي.


وأكد أن هذه ليست مجموعة مشاريع منفصلة؛ إنها سلسلة قيمة اقتصادية واحدة، مشددا على ضرورة تحديد ما يمكن تشغيله خلال ستة أشهر، وما يحتاج إلى 18 شهرا، وما يدخل ضمن خطة السنوات الثلاث إلى الخمس، مع مسؤولية تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.


وفي حال نجاح هذه الخطة، رأى كباره أن طرابلس لن تبقى مدينة يصل إليها الغاز لتشغيل معمل كهرباء أو النفط الخام للتخزين، بل يمكن أن تتحول تدريجيا إلى مركز للطاقة والصناعة والتخزين والتكرير والخدمات اللوجستية والاستثمار، وبوابة اقتصادية للبنان باتجاه محيطه العربي والإقليمي. وقال إن هذا تحديدا أحد المحاور التي يعمل عليها ضمن "طرابلس 1 – رؤية 2035"، موضحا أن الهدف ليس جمع لائحة مشاريع أو المطالبة بمشاريع متفرقة، بل بناء منظومة اقتصادية متكاملة وقابلة للتمويل والتنفيذ، تجعل من طرابلس والشمال منصة للطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية والاستثمار، وتعيد ربط لبنان اقتصاديا بعمقه العربي والإقليمي.


في النهاية، قد لا يكون خط الغاز العربي مجرد عودة أنبوب إلى الخدمة، بل فرصة لإعادة فتح ملف طرابلس الاقتصادي من بابه الأوسع. فالمدينة تملك منشآت نفط ومرفأ ومصفاة ومعمل كهرباء ومنطقة اقتصادية، وما ينقصها هو جمع هذه المقومات ضمن رؤية واحدة قابلة للتنفيذ. وإذا نجحت الدولة في تحويل هذه الخطوة إلى مشروع متكامل، فقد يكون الغاز بداية لدور جديد لطرابلس في الطاقة والصناعة والاستثمار.