بعد سنوات من الأزمة الاقتصادية وتراجع الثقة، يحاول لبنان اليوم التقاط إشارات إيجابية من الخارج. لقاء الرئيس جوزاف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب حمل رسائل انفتاح دولي، من عودة الطيران والاستثمارات، إلى دعم مسار إعادة الإعمار. الأسواق قرأت هذه الإشارات كجرعة ثقة جديدة، فيما برزت عودة الطيران الأميركي إلى لبنان كأحد المؤشرات على تحسن صورة البلد خارجيا.
لكن يبقى السؤال: هل تتحول هذه الإشارات إلى خطوات اقتصادية فعلية؟ وهل لا يزال لبنان بحاجة إلى صندوق النقد الدولي لضمان الإصلاحات واستعادة ثقة المستثمرين؟
وفي هذا السياق، قال مدير المعهد اللبناني لدراسات السوق الدكتور باتريك مارديني إن أبرز تداعيات الزيارة تتمثل في بدء خفض مستوى المخاطر المرتبطة بلبنان، موضحا أن البلاد تعيش اليوم نوعا من العزلة الدولية.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هذه العزلة تحد من تدفق الاستثمارات إلى لبنان، كما تؤثر على حركة السفر إليه، بسبب ارتفاع المخاطر المرتبطة بالبلاد، مشيرا إلى أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إمكان عقد مؤتمر للاستثمار، وتشجيع الشركات الأميركية على الاستثمار في لبنان، وعودة حركة السفر إليه، يشكل بداية فعلية لخفض هذه المخاطر.
وأوضح مارديني أن تراجع مستوى المخاطر لا يقتصر على جذب الاستثمارات الأميركية فقط، بل يفتح الباب أيضا أمام عودة الاستثمارات العربية والدولية، وهي حاجة أساسية للبنان في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، متحدثا عن ضرورة البناء على نتائج الزيارة ومتابعتها بخطوات عملية. واعتبر أن المطلوب اليوم ترجمة الإشارات السياسية إلى إجراءات ملموسة.
وأوضح أن تسيير رحلات جوية مباشرة بين لبنان والولايات المتحدة سيكون مؤشرا قويا للمجتمع الدولي بأن لبنان أصبح بلدا يمكن الاستثمار فيه والسفر إليه. وقال إن الأمر نفسه ينسحب على مؤتمر الاستثمار، فإذا عقد وعُرضت القطاعات المفتوحة أمام المستثمرين، لا سيما قطاع الطاقة، حيث تتجه الدولة إلى خصخصة معامل الإنتاج والتوزيع، فقد يشكل ذلك فرصة أمام الشركات الأميركية والمغتربين للدخول والاستثمار في هذا المجال.
ولفت مارديني إلى أن الفرص لا تقتصر على الطاقة، بل تشمل أيضا قطاع الاتصالات في حال فتح أمام المنافسة والاستثمار الخاص، إضافة إلى مشاريع النقل الجوي، وفي مقدمها مطار القليعات، الذي يمكن أن يستقطب استثمارات جديدة، مشددا على أن المرحلة المقبلة تتطلب متابعة جدية، لأن التصريحات الإيجابية وحدها لا تكفي، بل يجب ترجمتها إلى خطوات تنفيذية على الأرض. واعتبر أن ما تحقق حتى الآن يشكل بداية إيجابية.
وأكد أن لبنان لا يزال بحاجة إلى صندوق النقد الدولي، موضحا أن أهمية الصندوق لا تكمن فقط في التمويل، بل في منحه لبنان شهادة ثقة تؤكد دخوله في مسار الإصلاح، ما يطمئن المستثمرين إلى أن أموالهم ستكون في بيئة أكثر استقرارا.
وأشار مارديني إلى أن أي مستثمر لن يغامر بضخ أمواله في بلد لم ينجز الإصلاحات المطلوبة، لافتا إلى أن ما تحقق في واشنطن يشكل خطوة مهمة على المستوى الخارجي، لكن نجاحه يبقى مرتبطا باستكمال الإصلاحات في الداخل.
وأوضح أن عودة الاستثمارات الأجنبية تحتاج إلى ركيزتين أساسيتين: غطاء دولي يطمئن المستثمرين، وإصلاحات داخلية تخلق بيئة اقتصادية آمنة وجاذبة، لافتا إلى أن المستثمرين يحتاجون إلى ضمانات بأنهم يعملون في بيئة مستقرة، وأن أموالهم ستكون في بيئة أكثر أمانا، كما يأخذون في الاعتبار توجهات دولهم وسياساتها. لذلك، فإن الدعم الأميركي إلى جانب تنفيذ الإصلاحات الداخلية يشكلان معا أساسا لجذب الاستثمارات الأجنبية.
في المحصلة، فتحت زيارة واشنطن نافذة أمل أمام الاقتصاد اللبناني، لكن تحويلها إلى نتائج ملموسة يبقى مرتبطا بقدرة لبنان على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة. فالدعم الخارجي قد يفتح الأبواب، أما استعادة الثقة وجذب الاستثمارات فتمر حكما عبر خطوات داخلية واضحة.