مع تفاقم أزمة المازوت واتساع رقعة السوق السوداء، عاد شبح العتمة ليخيّم على لبنان من جديد. فبعدما شكّلت المولدات الخاصة لسنوات البديل الأساسي عن كهرباء الدولة، بدأت هي الأخرى تواجه خطر التوقف نتيجة ارتفاع كلفة المحروقات وصعوبة تأمينها. ومع بدء التقنين في عدد من المناطق، تتصاعد المخاوف من توسع الأزمة ووصولها إلى مرحلة الإطفاء الكامل للمولدات، ما يهدد بإغراق البلاد في عتمة جديدة. فإلى أين تتجه الأزمة؟ وهل من حلول قبل نفاد المخزون؟
في هذا السياق، حذّر عضو اللجنة التنفيذية في تجمع أصحاب المولدات ورئيس تجمع أصحاب المولدات في الضاحية الجنوبية، المهندس حسن ياسين، من تفاقم أزمة المازوت، لافتاً إلى أن عدداً من أصحاب المولدات في الضاحية اضطروا إلى إطفاء مولداتهم بسبب عدم قدرتهم على شراء المازوت من السوق السوداء.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن شركات وتجار المازوت يرفضون البيع بالدين في ظل الظروف الراهنة، ويشترطون الدفع نقداً، وهو ما يعجز عدد كبير من أصحاب المولدات عن تأمينه، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة، سيتوسع التقنين وصولاً إلى احتمال إطفاء المولدات بالكامل.
وأشار ياسين إلى أن التقنين بدأ فعلياً في عدد من المناطق، بينها عرمون وبشامون والمتن والضاحية الجنوبية، قبل أن يمتد إلى مناطق واسعة من جبل لبنان وصولاً إلى إقليم الخروب.
وأوضح أن ساعات التقنين تتراوح بين ساعتين وأربع ساعات يومياً، وتُطبق خلال النهار وليس ليلاً، حرصاً على عدم ترك المواطنين في العتمة والحر خلال ساعات المساء.
ولفت إلى أن الهدف من التقنين هو إطالة فترة الاستفادة من كميات المازوت المتوافرة، موضحاً: "إذا كان لدي 20 ألف ليتر من المازوت وأستهلك ألفي ليتر يومياً، فإن الكمية تكفيني أسبوعاً فقط. وإذا لم أتمكن من تأمين كميات جديدة، أضطر إلى التقنين لإطالة عمر المخزون والاستفادة منه لأطول فترة ممكنة".
وفي ملف الأسعار، أوضح أن السعر الرسمي لطن المازوت، وفق تسعيرة وزارة الطاقة، يبلغ نحو 1170 دولاراً، فيما يُباع في السوق السوداء بما بين 1400 و1500 دولار للطن، أي بزيادة تقارب 330 دولاراً.
واعتبر ياسين أن هذه الفروقات تشكل عبئاً كبيراً على أصحاب المولدات، خصوصاً أن بعضهم يحتاج إلى عشرات آلاف الليترات شهرياً.
وأشار إلى أن الأزمة تضرب أصحاب المولدات والمواطنين في آنٍ معاً، إذ إن شراء المازوت بأسعار مرتفعة، مقابل الالتزام بالتعرفة الرسمية، يؤدي إلى خسائر تشغيلية كبيرة، ما يدفع بعض أصحاب المولدات إلى رفع التعرفة، وهو ما ينعكس مباشرة على المواطنين، محملاً وزارة الطاقة وشركات النفط مسؤولية تفاقم الأزمة.
وفي ما يتعلق بالتعرفة، أوضح ياسين أن سعر الكيلوواط ساعة خلال الشهر الماضي، قبل تفاقم أزمة المازوت، بلغ 47 سنتاً في المناطق الساحلية و52 سنتاً في المناطق الجبلية، لافتاً إلى أن الفارق يعود إلى اختلاف كلفة التشغيل.
ولفت إلى أن التعرفة الرسمية لا تراعي أوضاع جميع المولدات، ولا سيما الصغيرة منها، موضحاً أن الرسم الثابت المحدد بـ385 ألف ليرة للاشتراكات الصغيرة لا يغطي النفقات الأساسية.
وأضاف أن الدراسة المعتمدة من وزارة الطاقة استندت إلى مولد بقدرة 300 كيلوفولت أمبير يخدم نحو 180 مشتركاً، ومع ذلك فإن الإيرادات الناتجة عن الرسم الثابت لا تتجاوز 774 دولاراً، متسائلاً: "كيف يمكن لصاحب مؤسسة أن يغطي إيجار الأرض ورواتب الموظفين وكلفة التشغيل بهذا المبلغ؟".
وكشف أن مستشاراً في وزارة الطاقة، خلال اجتماع في اتحاد البلديات، أشار إلى أن قيمة الرسم الثابت البالغة 385 ألف ليرة لا تعكس الكلفة الفعلية للتشغيل، قائلاً إن هذا المبلغ "لا يشتري حتى كعكة"، في إشارة إلى عدم كفايته.
وتطرق ياسين إلى تصريح رئيس نقابة مستوردي النفط في لبنان، مارون شماس، في مقابلة تلفزيونية، والذي قال إن الشركات تضخ في السوق كميات تزيد بنحو 35 في المئة عن الحاجة. وتساءل: "إذا كانت هذه الكميات موجودة، فأين تذهب؟ ولماذا لا تزال السوق السوداء قائمة؟ ومن يحتكر المازوت؟".
وأعلن عزمه التقدم بشكوى إلى الأمن العام، مطالباً بالتحقيق في هذه المعطيات وكشف حقيقة ما يجري في سوق المحروقات.
وبين تقنينٍ يتمدد ومازوتٍ يصعب تأمينه، تبقى المولدات أمام اختبارٍ صعب. فهل تنجح الحلول في تجنب عودة لبنان إلى العتمة؟.