خمس سنوات من الغياب كانت كافية لتغيير خريطة السوق السعودية… فالمنتج اللبناني الذي كان حاضرا بقوة تراجع، فيما تقدم منافسون آخرون لملء الفراغ.
اليوم، ومع الحديث عن استئناف التصدير إلى المملكة، لا تبدو العودة سهلة كما كانت سابقا؛ فخلف الإعلانات الرسمية عن إعادة فتح الأبواب، هناك حاويات تنتظر، وإجراءات لم تكتمل، وعوائق لا تزال تعرقل حركة البضائع.
وبين تأكيدات رسمية عن عودة المسار الطبيعي، وملاحظات الصناعيين على أرض الواقع، يبقى السؤال: هل يستعيد لبنان موقعه في السوق السعودية، أم أن سنوات الغياب غيرت المعادلة؟
وفي هذا السياق، قال نائب رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين، زياد وجيه بكداش، إن لبنان لم يصدر إلى المملكة العربية السعودية منذ عامَي 2021 أو 2022، ما أدى إلى خسارة السوق السعودية خلال السنوات الخمس الماضية.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن غياب المنتج اللبناني عن السوق السعودية فتح المجال أمام منافسين آخرين، ولا سيما المنتجات التركية والصينية وغيرها، التي تمكنت من احتلال جزء من المساحة التي كان يشغلها المنتج اللبناني، ما يجعل استعادة الحصة السابقة أكثر صعوبة.
وأشار بكداش إلى أن الصادرات اللبنانية إلى المملكة كانت تبلغ نحو 250 مليون دولار، موضحًا أن الهدف كان الوصول إلى 500 مليون دولار بعد انخفاض الكلفة الصناعية وتحسّن القدرة التنافسية.
وأكد أن العودة إلى السوق السعودية لن تكون سهلة، إذ سيكون من الصعب خلال أول سنتين استعادة أكثر من 25% من حجم الصادرات التي كان لبنان يحققها قبل عام 2022، معتبرًا أن غياب المنتج اللبناني طوال هذه الفترة أدى عمليًا إلى خسارة جزء كبير من هذا السوق.
وفي ملف إعادة تفعيل الصادرات، أكد بكداش أن المملكة العربية السعودية والدولة اللبنانية قامتا بالإجراءات المطلوبة، ولا سيما لناحية تشغيل أجهزة السكانر، بهدف إعادة فتح قنوات التصدير.
وأشار إلى أنه أُعلن رسميًا، خلال احتفال أُقيم في مرفأ بيروت قبل نحو ثلاثة أسابيع، انطلاق أول حاوية باتجاه السعودية، لكنه لفت إلى عدم امتلاكه معلومات مؤكدة حول مسارها، في وقت كانت فيه الشحنات الجوية عبر شركتَي DHL وAramex قد بدأت بالتحرك.
وأضاف بكداش أن ظهور معلومات، بعد يومين أو ثلاثة، عن محاولة إرسال شحنة عبر DHL تحتوي على مواد ممنوعة، أدى إلى تدخل السلطات السعودية وإبلاغ الجانب اللبناني، ما دفع الدولة اللبنانية إلى وقف إجراءات التصدير مؤقتًا.
وفي ما يتعلق بالوضع الحالي، بين أن نحو خمس أو ست حاويات تعود لعدد من الصناعيين لا تزال موجودة في مرفأ بيروت منذ حوالى أسبوعين، بانتظار السماح بشحنها، ما يحمّل أصحابها أعباء إضافية نتيجة تكاليف التخزين.
أما التصدير الجوي، فأكد أنه عاد إلى طبيعته خلال الأيام الخمسة الماضية، فيما لا يزال النقل البرّي والبحري يواجهان عقبات.
وبحسب بكداش، يبقى النقل البري متوقفًا بسبب عدم جهوزية أجهزة السكانر، إضافة إلى مشكلة تأشيرات سائقي الشاحنات المتجهة إلى المملكة.
وأوضح أن الاتفاقات البرية العربية تشترط أن يكون السائق من جنسية البلد المتجه إليه أو من بلد التصدير، أي لبنانيًا أو سعوديًا في حالة التوجه إلى المملكة، ولا تسمح بأن يكون من جنسية ثالثة.
كما أشار إلى أن شرط عمر الشاحنات، الذي يفرض ألا يتجاوز عمرها 20 عامًا، يشكل عائقًا إضافيًا، نظرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من أسطول الشاحنات اللبناني يتجاوز هذا العمر.
ولفت بكداش إلى وجود طرح من الجمارك يقضي بنقل الحاويات المعدة للتصدير برًا إلى مرفأ بيروت، حيث تخضع للفحص عبر أجهزة السكانر، ثم تُرسل بمؤازرة أمنية إلى الحدود اللبنانية.
وأضاف أن بدء تقديم طلبات السائقين للحصول على تأشيرات دخول إلى المملكة يشكل خطوة إيجابية قد تساعد في إعادة تحريك النقل البرّي عند استكمال بقية الإجراءات.
وفي الشق البحري، أشار إلى أن التطور الأبرز تمثل في وضع آلية جديدة لتنظيم عملية التصدير، تشترط أن يكون المصنع صاحب تاريخ إنتاجي واضح، وليس منشأة حديثة من دون سجل تصديري.
وتفرض الآلية الجديدة على المصانع تقديم مستندات تشمل الرخصة الصناعية، وإفادة من غرفة التجارة، والفواتير المصدقة، إضافة إلى معلومات عن تاريخ المصنع، وسنوات عمله، والأسواق التي صدّر إليها، وحجم صادراته إلى السعودية.
كما سيُطلب من صاحب البضاعة توقيع تعهد رسمي يؤكد فيه مطابقة الشحنة للقوانين وخلوّها من أي مواد ممنوعة، مع تحمله المسؤولية الكاملة عنها.
وأكد بكداش أن الصناعيين ينتظرون صدور النص الرسمي لهذا التعهد في مرفأ بيروت، باعتباره خطوة أساسية لإعادة إطلاق حركة التصدير البحري.
وقال إن المشهد الحالي يتمثل في عودة التصدير الجوّي، فيما يبقى النقل البرّي متوقفًا، ويظل التصدير البحري بانتظار استكمال الآلية الجديدة والإجراءات المطلوبة.
وفي ما خص الجدل الذي أثير حول توقف التصدير إلى السعودية، تحدث بكداش عن السجال الذي حصل بين الإعلامي مارسيل غانم ووزير المالية ياسين جابر، بعدما اعتبر الأخير، الأسبوع الماضي، أنه لا توجد مشكلة قائمة مع المملكة.
وشدد بكداش على أن هذا الكلام غير دقيق، موضحًا أن التصدير لم يتوقف بشكل كامل، إذ استؤنف الشحن الجوي بعد يوم واحد، بينما بقي النقل البرّي والبحري معلقين حتى اليوم بانتظار معالجة العوائق القائمة.
في المحصلة، بدأت عودة التصدير إلى السعودية بخطوات محدودة، لكنها لا تزال تواجه عوائق برًا وبحرًا. فالتحدي لم يعد يقتصر على إعادة فتح الطريق أمام البضائع اللبنانية، بل يتمثل أيضًا في استعادة سوق تغيّرت معالمه خلال سنوات الغياب.