July 18, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

جاسم عجاقة يحذر: لبنان بلغ سقف الضرائب!

أقرت الحكومة اللبنانية حزمةً من الزيادات الضريبية الجديدة، لكن تداعياتها لن تبقى أرقامًا في القرارات الرسمية، بل ستصل مباشرةً إلى كلفة المعيشة وحياة المواطنين، في ظل ضغوط اقتصادية متواصلة وتراجع القدرة الشرائية.

وتشمل الإجراءات رفع ضريبة القيمة المضافة (TVA) بنسبة 1%، وزيادة قدرها 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، إضافةً إلى تعديل رسم النفايات، في وقت يواجه فيه اللبنانيون ارتفاعًا متواصلًا في أسعار السلع والخدمات.

وبين خزينة تبحث عن إيرادات إضافية، ومواطن يواجه تراجعًا في قدرته الشرائية، يبرز السؤال: هل تموّل هذه الزيادات رواتب القطاع العام فقط، أم أنها تفتح الباب أمام أعباء جديدة يدفع المواطن كلفتها؟

وفي هذا السياق، قال أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية، البروفسور جاسم عجاقة، إن تمويل هذه الزيادات يحصل "بطريقة ملتوية وبأسلوب تضخمي".


وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن ما يجري فعليًا هو محاولة من الحكومة والسلطة العامة، بما فيها المجلس النيابي، لتغطية كلفة موظفي القطاع العام، سواء بالنسبة إلى الزيادات الحالية أو أي زيادات محتملة مستقبلًا، من خلال الضرائب والرسوم الجديدة.


وحذر عجاقة من أن هذه الإجراءات باتت تشكل عبئًا كبيرًا على الاقتصاد اللبناني، وقد تفتح الباب أمام مخاطر إعادة هيكلة اقتصادية، ولا سيما في ظل تداعياتها على القدرة الشرائية والواقع الاقتصادي العام.


وأوضح أن زيادة الضرائب ورفع الرسوم، ولا سيما الرسم المفروض على البنزين، لا ينعكسان فقط على أسعار المحروقات، بل يمتد تأثيرهما إلى مختلف القطاعات.


وأشار عجاقة إلى أن أكثر من 95% من السلع والبضائع تعتمد على المحروقات في عمليات النقل، ما يجعل أي زيادة في أسعارها تؤدي إلى انعكاسات مضاعفة على كلفة الإنتاج والتوزيع والأسعار، وليس فقط على قيمة الرسم بحد ذاته.


ولفت إلى أن رفع الضرائب والرسوم يؤدي تلقائيًا إلى ارتفاع معدلات التضخم، ما يزيد كلفة الإنتاج على الشركات، وينعكس سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين، معتبرًا أن هذا المسار يشكل ضغطًا إضافيًا على الاقتصاد.


وأضاف عجاقة أن المساعدات والزيادات التي تُمنح للموظفين قد تتآكل بفعل التضخم الناتج عن هذه الإجراءات، لتتحول إلى زيادات اسمية لا فعلية، أي إنها لا تؤدي إلى تحسّن حقيقي في القدرة الشرائية، ما يزيد مخاطر الدخول في مسار إعادة هيكلة اقتصادية.


وعن مدى قدرة المواطنين والاقتصاد على تحمل مزيد من الضرائب والزيادات، قال عجاقة إن هناك مقولةً شهيرةً لرئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر، مفادها أن الأمة التي تفرض على شعبها ضرائب تفوق قدرته على تحمّلها لا يمكن أن تزدهر، معتبرًا أن هذه المقولة تعكس أهمية التوازن في السياسات المالية.


وأوضح أن المؤشرات الاقتصادية الحالية تشير إلى أن قدرة المواطن والاقتصاد اللبناني على تحمّل المزيد من الضرائب والرسوم بلغت حدودها القصوى، لافتًا إلى أن الاقتصاد يعاني انكماشًا في الوعاء الضريبي، إلى جانب تنامي اقتصاد الكاش.


وأشار إلى أن الزيادة المفرطة في الضرائب المباشرة قد تدفع مزيدًا من النشاطات نحو الاقتصاد النقدي، ما يعزز التهرب الضريبي ويؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصًا أن لبنان مطالب دوليًا، ولا سيما من قبل مجموعة العمل المالي (FATF)، بالحد من اقتصاد الكاش وتعزيز الشفافية في الدورة الاقتصادية.


وتطرق عجاقة إلى مسألة غياب العدالة الضريبية، معتبرًا أن اعتماد الدولة بشكل أساسي على الضرائب والرسوم الاستهلاكية يحمّل المواطنين، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود، أعباءً إضافية.


وأوضح أن هذه السياسة تؤدي إلى تعميق الفقر، لأن الضرائب غير المباشرة تطال الجميع عند الاستهلاك، من دون الأخذ في الاعتبار اختلاف القدرة المالية بين المواطنين، مشددًا على أن إدارة الملف الضريبي لا يمكن أن تستمر بهذه الطريقة.


كما أشار إلى أن المشكلة لا تقتصر على حجم الضرائب، بل ترتبط أيضًا بغياب الخدمات العامة التي يُفترض أن يحصل عليها المواطن مقابل ما يدفعه. ولفت إلى أن غياب خدمات فعّالة في مجالات أساسية، كالكهرباء والطرقات وغيرها، يضعف ثقة المواطن بالدولة، ويعطي انطباعًا بأنه يدفع من جهة، من دون أن يحصل على مقابل من جهة أخرى.


وأكد عجاقة أن وظيفة الدولة لا تقتصر على جباية الضرائب، بل تشمل أيضًا تقديم الخدمات الاجتماعية والعامة الأساسية، وهو ما يشكّل أساس العلاقة بين المواطن والدولة.


وفي المحصلة، تبقى المعادلة عالقة بين حاجة الدولة إلى تأمين الإيرادات وقدرة المواطن على تحمّل مزيد من الأعباء. فالضريبة لا تُقاس فقط بما يدخل إلى الخزينة، بل أيضًا بما تتركه من أثر مباشر في حياة الناس وحركة الاقتصاد.


ومع استمرار ارتفاع كلفة المعيشة، يبقى السؤال: هل تشكّل هذه الإجراءات خطوةً لمعالجة الأزمة المالية، أم أنها تؤجلها عبر فرض أعباء إضافية يدفع ثمنها المواطن والاقتصاد؟