July 15, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

جو خوري: لا قطيعة مع صندوق النقد... و"فتوى" قانونية قد تحسم الخلاف

بعد التوافق بين الحكومة ومصرف لبنان على تعديلات مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف، تتجه لجنة المال والموازنة إلى السير بصيغة رئيس الحكومة ووزير المال، رغم استمرار التحفظات على بعض ملاحظات صندوق النقد الدولي. لكن، خلف هذا الخلاف القانوني، يبرز ملف أكثر حساسية يتعلق بحدود صلاحيات مصرف لبنان ودور الهيئة المصرفية العليا، ومدى قدرة لبنان على التوفيق بين متطلبات الإصلاح والحفاظ على استقلالية المصرف المركزي.

وقد تحولت المادة 13 إلى محور التجاذب الأساسي، بعدما طالب صندوق النقد بمنح الهيئة المصرفية العليا صلاحيات أكثر فاعلية، في مقابل تمسّك مصرف لبنان بصلاحياته المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف. وبين شروط الاتفاق مع الصندوق وحسابات السيادة التشريعية، يبقى السؤال: هل نحن أمام خلاف تقني حول آلية التنفيذ، أم أمام نقاش أوسع بشأن توازن الصلاحيات المالية؟


وفي هذا السياق، قال الصحافي والكاتب الاقتصادي جو خوري إن مصرف لبنان اعترض على الصيغة التي تنص على أن تطلب الهيئة المصرفية العليا من مصرف لبنان إصدار تعاميم، باعتبار أن إصدار التعاميم يدخل حصرًا ضمن صلاحياته، ولا يمكن لأي جهة إلزامه بإصدارها، كما هو مقترح في تعديل المادة 13. ويرى مصرف لبنان أن التعاميم تشكّل أداة تنظيمية أساسية وعامة، لا ترتبط بمصرف معيّن أو حتى بمجموعة من المصارف.


وأوضح خوري، عبر منصة "بالعربي"، أنّ صندوق النقد الدولي طلب إضافة هذه الصلاحية إلى الهيئة المصرفية العليا، من خلال النص على أن تطلب الهيئة من مصرف لبنان إصدار تعاميم. إلا أن حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، اعترض على هذه الصيغة، معتبرًا أنّها تمسّ بصلاحياته وباستقلالية المصرف المركزي التي يكرّسها قانون النقد والتسليف.


وأضاف خوري أن شد الحبال بين صندوق النقد الدولي ومصرف لبنان بدأ من هذه النقطة. فالصندوق يريد منح الهيئة المصرفية العليا دورًا أكثر فاعلية في معالجة أوضاع المصارف، ويخشى أن تبقى قراراتها عالقة في المسار الإداري، فتتحول من قرارات قابلة للتنفيذ إلى مجرد طلبات أو توصيات. لذلك، أصرّ صندوق النقد على تعزيز دور الهيئة من خلال إلزام مصرف لبنان بإصدار التعاميم اللازمة لتنفيذ قراراتها، وهي صيغة يرفضها مصرف لبنان.


وعن رفض صندوق النقد استبدال عبارة "إصدار الأوامر" بـ"التوصية"، قال خوري إنّ هدف الصندوق ليس المسّ باستقلالية مصرف لبنان أو الانتقاص من صلاحياته، بل منح الهيئة المصرفية العليا أدوات فعلية تمكّنها من تنفيذ قراراتها، وعدم إبقائها ضمن إطار التوصيات فقط.


وأوضح أنّ الصندوق يخشى من تمييع قرارات الهيئة المتعلقة بإصلاح أوضاع المصارف، إذا كان تنفيذها يحتاج في كل مرة إلى المرور بمصرف لبنان. لذلك، باتت التعديلات على المادة 13 من مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف جوهر الخلاف بين الطرفين، فيما تحاول الحكومة التوصل إلى صيغة وسطية تخفف حدة التباين، مثل اعتماد عبارة "التوصية" بدلًا من "الطلب".


وفي المقابل، أشار خوري إلى أنّ مصرف لبنان لا يزال متمسكًا بصلاحية اتخاذ القرار في ما يتعلق بإصدار التعاميم. ولفت إلى أنّ حاكم مصرف لبنان اعتبر، في كتاب وجّهه إلى رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، أنّ التعاميم تشكّل أداة تنظيمية عامة ذات طابع تشريعي، وأنّ صلاحية إصدارها تعود حصرًا إلى المجلس المركزي لمصرف لبنان، بما يشمل قرار إصدارها أو عدمه، وتحديد مضمونها.


وأوضح أنّ مصرف لبنان يعتبر هذه التعاميم أداة أساسية تمكّنه من أداء مهامه باستقلالية، بما في ذلك الحفاظ على الاستقرار النقدي.


وتابع خوري أنّ صندوق النقد الدولي يريد أن تتمتع الهيئة المصرفية العليا بسلطة فعلية وملزمة تجاه مصرف لبنان، بما يضمن تنفيذ قراراتها المتعلقة بمعالجة أوضاع المصارف، وألّا يقتصر دورها على إصدار التوصيات فقط.


في المقابل، يتمسك مصرف لبنان بصلاحياته واستقلاليته، فيما تعمل الحكومة ووزارة المال على إيجاد صيغة توافقية توازن بين متطلبات صندوق النقد وموقف مصرف لبنان، لجهة حماية استقلالية المصرف المركزي وصلاحيات مجلسه المركزي.


وأضاف خوري أنّ موقف صندوق النقد، برأيه، ينسجم مع سياساته ومعاييره المعتمدة في معالجة أوضاع المصارف.


وعن قدرة لبنان على التمسك بقراراته السيادية من دون دفع ثمن في مفاوضاته مع صندوق النقد، قال خوري إنه، من الناحية القانونية، يبقى مجلس النواب سيد نفسه، ويتمتع بحرية إقرار القوانين وصياغتها بالشكل الذي يراه مناسبًا، فيما يبقى القرار النهائي في يد النواب.


أما عمليًا، فرأى أنّ لبنان ليس في موقع قوة في التفاوض مع صندوق النقد، لأنّه بحاجة إلى الاتفاق معه. وأوضح أنّ الخلاف لا يعني بالضرورة إلغاء أي برنامج محتمل مع الصندوق أو أي دعم دولي مرتبط به، لكنه قد يؤدي إلى تأخير التوصل إلى اتفاق، خصوصًا إذا تمسك مصرف لبنان بموقفه، وفي المقابل أصرّ الصندوق على منح الهيئة المصرفية العليا صلاحيات تنفيذية أوسع.


وأضاف خوري أنّ مسألة "الثمن" الذي قد يدفعه لبنان ترتبط، بالنسبة إلى اللبنانيين، بشكل أساسي بملف استرداد الودائع، إذ إنّ المسار المطلوب هو الذي يتيح للمودعين استعادة حقوقهم بطريقة أسرع وأكثر عدالة.


ورأى أنّ استمرار الخلاف حول صلاحيات الهيئة المصرفية العليا قد يؤدي إلى إطالة أزمة الودائع وتأخير الحل الشامل، رغم تمسك لبنان بسيادته التشريعية.


وأكد خوري أنّ لبنان لا يزال في مرحلة تفاوض، مرجحًا التوصل إلى صيغة تسووية، معتبرًا أنّ الخلاف لن يصل إلى حد القطيعة مع صندوق النقد الدولي.


وأشار إلى أنّ طلب حاكم مصرف لبنان تضمين الإشارة إلى صلاحياته المنصوص عليها في المادة 70 من قانون النقد والتسليف، واعتماد صياغة عامة تحيل إلى قانون النقد والتسليف مرجعيةً، يشكلان نموذجًا للصيغ التوافقية الممكنة، من دون التراجع عن الموقف اللبناني أو المسّ بصلاحيات مصرف لبنان.


وأضاف أنّ الاهتمام الأميركي بلبنان في هذه المرحلة لا يشجع على مواجهة مع صندوق النقد، بل يدفع باتجاه تسوية سريعة، خصوصًا أنّ أي تجميد للاتفاق قد يعرقل مساعي الدعم الدولي المرتبطة أيضًا بالملف السياسي.


ورأى خوري أنّ الاتجاه سيكون نحو التوصل إلى صيغة توافقية تمنح الهيئة المصرفية العليا صلاحيات تنفيذية فعلية، من دون المسّ باستقلالية مصرف لبنان أو بالصلاحيات المكرسة له بموجب المادة 70 من قانون النقد والتسليف، معتبرًا أنّه يمكن إيجاد "فتوى" قانونية تتيح التوفيق بين تعزيز دور الهيئة والحفاظ على صلاحيات المصرف المركزي.


وبين تمسك مصرف لبنان باستقلاليته، وإصرار صندوق النقد على تعزيز دور الهيئة المصرفية العليا، يبقى المخرج رهن قدرة الأطراف على صياغة تسوية تحفظ التوازن بين الإصلاح والصلاحيات.


فهل تنجح "الفتوى" القانونية في إنتاج حل وسط يرضي صندوق النقد، من دون المسّ باستقلالية مصرف لبنان وصلاحياته؟