July 11, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

أنطوان فرح: خطوة جريئة من الحكومة والذهب هو الحل

أكد الكاتب والخبير الاقتصادي أنطوان فرح أن ملف الودائع لا يزال يشكل القضية الاقتصادية الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلى اللبنانيين، مشددًا على أن استعادة الودائع ممكنة، لكنها تبقى مرتبطة بتحمل الدولة مسؤولياتها. واعتبر أن المرحلة المقبلة ستحدد هذا المسار من خلال قانون إعادة هيكلة المصارف وقانون معالجة الفجوة المالية.

وفي مقابلة عبر منصة "بالعربي" ضمن برنامج "حوار الليلة" مع الإعلامي ربيع ياسين، تناول فرح ملف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، معتبرًا أن تساؤلات جدية بدأت تُطرح حول مدى رغبة الصندوق الفعلية في مساعدة لبنان على التعافي، ولا سيما بعد المواقف التي وصفها بالمستغربة تجاه بعض التعديلات المقترحة على مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف.


وأشار إلى أن حاكم مصرف لبنان كريم سعيد يتعامل بإيجابية مع صندوق النقد، كما أن الحكومة تسعى إلى التوصل لاتفاق معه، إلا أن مواقف الصندوق في بعض الملفات توحي، بحسب تعبيره، بأنه "ليس متحمسًا كثيرًا للحل أو ليس مستعجلًا لإيجاد حل في لبنان"، لافتًا إلى أن العامل السياسي قد يكون حاضرًا في مقاربة الصندوق للملف اللبناني.


وأوضح أن الخلاف برز حول المادتين الثالثة والثالثة عشرة من مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف، حيث جرت مشاورات بين مصرف لبنان والحكومة، قبل أن يتولى رئيس الحكومة نواف سلام صياغة تعديل المادة الثالثة، فيما أعد وزير المالية التعديل المتعلق بالمادة الثالثة عشرة، وذلك بصيغة وُصفت بأنها "ملطّفة" ويمكن أن تحظى بموافقة صندوق النقد.


أضاف أن حاكم مصرف لبنان وافق على هذه الصيغة بعد الاطلاع عليها، على أساس أن الحكومة ستؤمن موافقة صندوق النقد، إلا أن الأخير رفضها، وهو ما شكل مفاجأة لجميع المعنيين، وأثار علامات استفهام حول أسباب هذا الرفض، خصوصًا أن التعديلات لا تمس جوهر القانون.


وأوضح فرح أن المادة الثالثة تتعلق بتحديد صلاحيات الهيئة المصرفية العليا، وأن الصيغة السابقة كانت تؤدي إلى تضارب في الصلاحيات بينها وبين مصرف لبنان، لذلك اقترحت الحكومة الإشارة إلى المادة 70 من قانون النقد والتسليف بما يضمن عدم تعارض الصلاحيات، إلا أن صندوق النقد رفض هذا التعديل أيضًا، من دون تقديم تفسير مقنع، بحسب قوله.


وأشار إلى أن صندوق النقد يعتمد مقاربة صارمة جدًا في تطبيق معاييره، من دون مراعاة خصوصية الحالة اللبنانية، رغم أن مسؤوليه كانوا قد تحدثوا سابقًا عن أخذ الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان في الاعتبار.


وفي ما يتعلق بالمادة الثالثة عشرة، أوضح فرح أنها تتصل بصلاحيات الهيئة المصرفية العليا، ولا سيما لجهة إصدار التعاميم أو الطلب من مصرف لبنان إصدارها، معتبرًا أن منح الهيئة هذه الصلاحية يشكل تدخلًا مباشرًا في عمل مصرف لبنان ويضعف استقلاليته، لأن إصدار التعاميم يدخل ضمن صلاحيات المصرف المركزي وحده.


وأضاف أن التعديل الذي جرى التوافق عليه استبدل عبارة "إصدار أوامر" بعبارة "التوصية"، بما يحفظ استقلالية مصرف لبنان ويمنع أي تضارب في الصلاحيات، إلا أن صندوق النقد رفض هذه الصيغة أيضًا.


وأكد فرح أن إقرار التعديلات كما اتفقت عليها الحكومة ومصرف لبنان سيشكل، في حال حصل، أول موقف تتخذه الدولة اللبنانية في سياق المفاوضات مع صندوق النقد باعتباره "مسألة سيادية"، مشيرًا إلى أن وزير المالية أبلغه أن الحكومة ماضية في هذا الخيار رغم اعتراض الصندوق.


ورأى أن هذا الموقف يضع صندوق النقد أمام اختبار، إذ سيكون عليه أن يقرر ما إذا كان سيواصل التعاون مع لبنان رغم تمسكه بهذه التعديلات، معتبرًا أن المناخ السياسي الجديد، إضافة إلى الاهتمام الأميركي بالملف اللبناني، قد يساعدان في استمرار المفاوضات وعدم تعطيلها بسبب هذا الخلاف.


وأكد أن الحفاظ على استقلالية المؤسسات اللبنانية لا يقل أهمية عن السعي للحصول على دعم صندوق النقد، معتبرًا أن لبنان لا يستطيع التضحية بمؤسساته من أجل نيل الثقة الخارجية، وأن التعديلات المقترحة تهدف أساسًا إلى حماية مصرف لبنان وضمان حسن سير المؤسسات المالية في المستقبل، وليس فقط معالجة الأزمة الحالية.


وتناول فرح مشروع قانون معالجة الفجوة المالية، مؤكدًا أن المشروع بصيغته الأولى "غير قابل للحياة"، لأنه بُني على أرقام وافتراضات غير واقعية. وأشار إلى أن دراسات أعدتها شركات دولية أظهرت أن احتساب كلفة ضمان الودائع حتى سقف 100 ألف دولار وصل إلى نحو 22 مليار دولار، قبل احتساب الأموال التي دُفعت سابقًا بموجب التعاميم.


وأوضح أن الحكومة عادت وعدّلت مقاربتها بعد احتساب نحو 6 مليارات دولار سبق دفعها للمودعين، ما خفّض الكلفة، إلا أن المشكلة الأساسية بقيت قائمة، إذ لا تزال هناك فجوة تمويلية تستوجب حلولًا واقعية.


وأشار إلى أن أحد الخيارات المطروحة يتمثل في تمديد فترة سداد الودائع المضمونة بدلًا من حصرها بأربع سنوات، معتبرًا أن هذا الخيار أكثر واقعية من خفض سقف الـ100 ألف دولار، الذي لا يبدو مطروحًا حاليًا.


وفي ما يتعلق بالشق الأكبر من الودائع، أوضح أن المشروع يعتمد على إصدار سندات مالية، إلا أنه رأى أن هذه السندات تحتاج إلى ضمانات فعلية وإيرادات ثابتة تؤمن سدادها، معتبرًا أن إصدار سندات بقيمة عشرات مليارات الدولارات من دون وجود إيرادات واضحة يطرح إشكالية كبيرة.


أضاف أن من هنا بدأ الحديث عن إمكانية استخدام الذهب كضمان لهذه السندات، موضحًا أن المقصود ليس بيع الذهب أو التفريط به، بل استخدامه كضمان يعزز الثقة بإمكانية سداد هذه السندات مستقبلًا.


وأشار إلى أن طرح استخدام الذهب لا يزال يواجه رفضًا سياسيًا وشعبيًا، معتبرًا أن النظرة السائدة إلى الذهب تجعل مجرد الحديث عن استخدامه يثير حساسية كبيرة، رغم أنه يشكل أحد أصول الدولة.


وأكد أن الحل الأساسي يبقى في تحمل الدولة مسؤوليتها، معتبرًا أن الأزمة لا يمكن أن تُحل إذا اقتصر العبء على مصرف لبنان والمصارف، لأن الدولة هي التي أنفقت القسم الأكبر من الأموال، وبالتالي عليها أن تتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية المعالجة.


وأوضح أن الدولة ليست مفلسة، بل تمتلك أصولًا وإمكانات، لافتًا إلى أن موازنة عام 2025 سجلت فائضًا، كما أن تحسين الجباية الضريبية يمكن أن يضاعف إيرادات الدولة تدريجيًا إذا جرى تطبيق إصلاحات جدية، مستشهدًا بالتجربة اليونانية التي احتاجت سنوات للخروج من أزمتها المالية.


أضاف أن الدولة تستطيع أيضًا زيادة إيراداتها من خلال تفعيل الشراكة مع القطاع الخاص والاستفادة من أصولها ومشاريعها الإنتاجية، معتبرًا أن هذه الإجراءات تسمح لها بالمساهمة في إعادة أموال المودعين.


وفي معرض حديثه عن القطاع المصرفي، شدد فرح على أن الحفاظ على المصارف هو حفاظ على الاقتصاد اللبناني، لأن أي استهداف لهذا القطاع يعني عمليًا استهداف المودعين والاقتصاد في آن واحد.


وأوضح أن المصارف لا تستطيع اليوم القيام بدورها الطبيعي لأنها لا تزال تتحمل كلفة الأزمة، وهي القطاع الوحيد تقريبًا الذي لم يتمكن من استعادة نشاطه منذ بداية الانهيار، في حين تمكنت قطاعات خاصة أخرى من استعادة جزء من نشاطها.


وأشار إلى أن هناك شريحة كبيرة من صغار المساهمين الذين اشتروا أسهمًا تفضيلية في المصارف بدل الاحتفاظ بودائعهم، محذرًا من أن آلية توزيع الخسائر المطروحة قد تؤدي إلى خسارتهم أيضًا، داعيًا إلى أخذ أوضاعهم في الاعتبار عند إعداد أي خطة لإعادة الهيكلة.


وفي ما يتعلق بمصير المصارف، أوضح أن ذلك يتوقف على الآلية التي ستُعتمد لمعالجة خسائر مصرف لبنان والدولة، معتبرًا أنه إذا جرى تحميل المصارف وحدها مسؤولية الخسائر، فإن عددًا قليلًا جدًا منها سيتمكن من الاستمرار.


وأشار إلى أن إحدى الدراسات التي أعدتها مؤسسة استشارية دولية أظهرت أن تطبيق مشروع قانون الفجوة المالية بصيغته الأولى كان سيؤدي إلى بقاء عدد محدود جدًا من المصارف بعد انتهاء تنفيذ الخطة.


ورأى أن الحديث عن استبدال المصارف الحالية بمصارف جديدة ليس واقعيًا في الظروف الحالية، لأن المصارف الأجنبية لا تبدي رغبة بالدخول إلى السوق اللبنانية، في ظل حجم المخاطر القائمة، لافتًا إلى أن بعض المؤسسات المالية الجديدة برزت نتيجة غياب الدور التقليدي للمصارف، لكنها لا تستطيع حتى الآن أن تحل محل القطاع المصرفي في تمويل الاقتصاد.


وأكد أن تمويل الاقتصاد يحتاج إلى قطاع مصرفي متكامل قادر على توفير الرساميل والقروض والخدمات المصرفية، وهو ما لا يمكن أن تقوم به المؤسسات المالية الناشئة بمفردها.


وعن مصير الودائع، أكد فرح أن الأموال الموجودة حاليًا لا تكفي لإعادة جميع الودائع، موضحًا أن السيولة المتوافرة تقتصر على نحو 12 مليار دولار، تشمل الاحتياطي الإلزامي والسيولة الموجودة لدى المصارف، فيما تبقى استعادة الودائع الكاملة مرتبطة بتحمل الدولة مسؤوليتها إلى جانب مصرف لبنان والمصارف.


وأشار إلى أن الأطراف الثلاثة تتحمل مسؤولية الأزمة، إلا أن الدولة تبقى الطرف الأساسي لأنها أنفقت الجزء الأكبر من الأموال، معتبرًا أن أي خطة لا تتضمن مساهمة فعلية من الدولة لن تؤدي إلى إعادة حقوق المودعين.


وأوضح أن المودعين تكبدوا خسائر فعلية نتيجة مرور الوقت والتضخم، حتى بالنسبة إلى من استفادوا من التعاميم، إذ إن القيمة الشرائية للأموال تراجعت بشكل كبير خلال السنوات الماضية.


ورأى أن أصحاب الودائع التي تقل عن 100 ألف دولار هم الأكثر حظًا في استعادة أموالهم، معتبرًا أن إمكانية حصولهم على كامل ودائعهم أصبحت مرجحة أكثر من أي وقت مضى، وإن كان ذلك سيتم على مراحل وليس دفعة واحدة.


أضاف أن الأموال اللازمة لهذه الفئة متوافرة إلى حد كبير، إلا أن آلية الدفع تحتاج إلى وقت، موضحًا أن السداد التدريجي يبقى الخيار الأكثر واقعية لتفادي أي انعكاسات سلبية على السوق والاقتصاد.


وفي معرض رده على سؤال حول ما إذا كانت المصارف مفلسة، أوضح فرح أن المصارف ليست مفلسة محاسبيًا، لأن موجوداتها المسجلة لدى مصرف لبنان لا تزال قائمة في ميزانياتها، إلا أن المشكلة تكمن في أن مصرف لبنان لا يستطيع عمليًا تسديد هذه الأموال في الظروف الحالية.


وأشار إلى أن الأزمة تتمثل في أن المصارف تمتلك حقوقًا على مصرف لبنان، بينما مصرف لبنان يملك بدوره حقوقًا على الدولة، وبالتالي فإن معالجة الأزمة تبدأ من تحمل الدولة مسؤوليتها وسداد التزاماتها.


أضاف أن مصرف لبنان لا يستطيع إعلان إفلاسه، لأن ذلك سيقود إلى أزمة أكبر تمس النظام المالي بأكمله، مؤكدًا أن الحفاظ على استقرار المصرف المركزي يبقى ضرورة لحماية القطاع المالي.


وفي ما يتعلق بالذهب، أكد فرح أنه يؤيد استخدامه ضمن إطار مدروس لمعالجة الأزمة، معتبرًا أن الذهب هو أحد أصول الدولة ولا يجوز التعامل معه وكأنه ممنوع من الاستخدام مهما كانت الظروف.


وأوضح أنه لا يدعو إلى بيع الذهب أو التفريط به، بل إلى حسن إدارته والاستفادة منه، سواء عبر استخدام جزء منه أو عبر توظيفه كضمان في أي خطة لإعادة الودائع، مشيرًا إلى أن قيمته ارتفعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.


أضاف أن رفض مجرد مناقشة استخدام الذهب لا يستند إلى منطق اقتصادي، لأن الذهب يبقى مالًا عامًا شأنه شأن أي أصل آخر تملكه الدولة، ويجب النظر إليه كجزء من الحلول الممكنة لمعالجة الأزمة.


وتطرق فرح إلى إعداد مشروع موازنة عام 2027، معتبرًا أن الحكومة تواجه تحديًا كبيرًا نتيجة المتغيرات التي فرضتها الحرب، بعدما بُنيت موازنة عام 2026 على أرقام لم تعد تعكس الواقع الاقتصادي الحالي.


وأشار إلى أن تراجع الإيرادات وارتفاع النفقات يفرضان إعادة تقييم شاملة للأرقام، لافتًا إلى أن وزارة المالية تعمل حاليًا على إعداد موازنة جديدة تراعي هذه المتغيرات، إلا أنه استبعد أن تحمل موازنة 2027 إصلاحات جذرية، مرجحًا أن تشكل نسخة معدلة عن موازنة 2026.


وفي الشق المتعلق بالتضخم، أكد أن القدرة الشرائية للمواطن اللبناني تراجعت بشكل كبير، نتيجة استمرار الحرب وتداعياتها الاقتصادية وارتفاع الأسعار، مشيرًا إلى أن لبنان يتأثر سريعًا بأي ارتفاع عالمي في الأسعار، بينما لا تنعكس الانخفاضات بالوتيرة نفسها.


أضاف أن الدولة لا تملك اليوم هامشًا واسعًا لتحسين القدرة الشرائية عبر زيادة الرواتب، كما أن القطاع الخاص يواجه بدوره صعوبات تمنعه من رفع الأجور، بل إن بعض المؤسسات اضطرت إلى خفض عدد موظفيها أو تقليص رواتبهم.


واعتبر أن استمرار التوترات الإقليمية سيزيد من الضغوط الاقتصادية، محذرًا من أن أي تصعيد جديد ستكون له انعكاسات إضافية على التضخم والأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين.


وختم فرح أن استعادة الودائع لا تزال ممكنة، لكنها تتطلب قرارًا سياسيًا واضحًا تتحمل الدولة بموجبه مسؤولياتها كاملة، إلى جانب إصلاحات مالية ومصرفية واقتصادية متكاملة، تضمن إعادة بناء الثقة بالقطاع المالي وإطلاق مسار التعافي الاقتصادي في لبنان.


لمشاهدة الحلقة كاملة، الرجاء الضغط على الرابط أدناه: