منذ ست سنوات، لم تعد الودائع في لبنان كما عرفها أصحابها يوم أُودعت في المصارف. تبدل كل شيء تقريبًا: طريقة السحب، وقيمة الأموال، وطبيعة التعامل مع الحسابات المصرفية. وبين تعاميم مصرف لبنان التي تُدار من خلالها الأزمة بشكل يومي، وغياب أي خطة واضحة وشاملة تعيد الودائع إلى مسارها الطبيعي، يجد المودعون أنفسهم أمام واقع مالي مختلف تمامًا عمّا كان عليه قبل عام 2019.
وفي المقابل، تتواصل مشاريع القوانين والاقتراحات المرتبطة بإعادة هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة الفجوة المالية، من دون حسم نهائي لكيفية توزيع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين. وبين أرقام متغيّرة وتقديرات متباينة، يبقى السؤال المالي الأساسي مطروحًا: إلى أين يتجه هذا الملف فعلًا، وما مصير المودعين في المرحلة المقبلة؟
وفي هذا السياق، قال الخبير المالي والمصرفي نيكولا شيخاني إنّ حجم الودائع في النظام المصرفي قبل اندلاع الأزمة في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 كان يُقدر بنحو 160 مليار دولار، منها نحو 130 مليار دولار بالدولار الأميركي، مقابل ما بين 25 و30 مليار دولار بالليرة اللبنانية، محسوبة على سعر الصرف الرسمي البالغ 1500 ليرة للدولار، ما يجعل إجمالي الأموال داخل النظام المصرفي يقارب 160 مليار دولار.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أنّ بداية الأزمة السورية في عام 2011 شكّلت محطة مفصلية في التدهور الاقتصادي في لبنان، إذ بدأ الاقتصاد يتأثر بشكل متدرج، في ظل تراجع القدرة على تحقيق فوائض مالية واستمرار تفاقم العجز في ميزان المدفوعات.
وأضاف أنّ الدولة بدأت في تلك المرحلة باللجوء إلى أموال مصرف لبنان، سواء عبر الاقتراض المباشر أو عبر أدوات الدين العام، مثل سندات اليوروبوند وسندات الخزينة بالليرة اللبنانية، مشيرًا إلى أنّ المصرف المركزي كان يمول جزءًا من هذه الالتزامات عبر السيولة المتاحة لديه.
وتابع أن حجم هذه التوظيفات شمل نحو 32 مليار دولار من اليوروبوند، ونحو 60 مليار دولار بالليرة اللبنانية على سعر الصرف الرسمي، إضافة إلى قروض للدولة بقيمة تقارب 16.5 مليار دولار، وتمويل لمؤسسة كهرباء لبنان بنحو 28 مليار دولار.
وأشار إلى أنّ هذه الالتزامات تطلّبت مصادر تمويل متزايدة، لافتًا إلى أنّها جاءت عمليًا من النظام المصرفي، أي من أموال المودعين، سواء عبر المصارف التي اكتتبت بسندات الدولة، أو عبر مصرف لبنان الذي استخدم جزءًا كبيرًا من ودائع المصارف لديه، والتي قُدّرت بنحو 80 مليار دولار.
وأوضح أنّ المصارف اللبنانية موّلت الدولة عبر الاكتتاب بسندات الخزينة واليوروبوند، فيما تولى مصرف لبنان شراء جزء من هذه السندات وتمويل الدولة بشكل مباشر، ما جعل النظام المصرفي بأكمله جزءًا من تمويل العجز العام.
وأضاف أنّه منذ عام 2011 بدأت الودائع الدولارية داخل المصارف تتحوّل تدريجيًا إلى ما يُعرف بـ"اللولار"، ومع تراكم الاختلالات المالية، وصلت الأزمة إلى ذروتها في عام 2019، حيث فُرضت قيود على السحوبات والتحويلات، ما أدى إلى فقدان جزء كبير من السيولة الفعلية داخل النظام المصرفي، وتفاقم الأزمة بشكل شامل.
وأوضح شيخاني أنّه منذ عام 2019 كان يفترض اتخاذ إجراءات سريعة لمعالجة الأزمة، أبرزها فرض "الكابيتال كونترول" لفترة مؤقتة، وإقرار قانون لإعادة هيكلة القطاع المصرفي بما يسمح بإعادة تصحيح النظام المالي، إلا أنّ ذلك لم يحصل بالشكل المطلوب.
وأضاف أنّ ما صدر لاحقًا تمثّل في تعاميم متراكمة من مصرف لبنان، لم تؤدِّ إلى إصلاح فعلي للقطاع المصرفي، بل اقتصر أثرها على إعادة جزء محدود من أموال المودعين بشكل تدريجي ومجزّأ، عبر دفعات صغيرة ومتقطعة.
واعتبر أنّ هذه الآلية أدّت إلى تعوّد شريحة من المودعين على هذه المدفوعات الشهرية المحدودة، في وقت تتفاقم فيه الأزمة المعيشية، حيث فقدت عائلات كثيرة مدخراتها بالكامل، وتضررت فئات واسعة من المجتمع، من كبار السن والأرامل إلى أرباب الأسر الذين خسروا أموالهم ومصادر رزقهم، بما في ذلك أشخاص عملوا لعقود في قطاعات مثل الاستيراد.
وأشار إلى أنّ هذه التطورات ساهمت في تعميق الأزمة بدلًا من معالجتها، ما جعل الانهيار المالي والاجتماعي أكثر حدّة واستمرارًا.
وأوضح أنّ الدولة طرحت أول مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، والذي اعتبره خطأً كبيرًا لأنه تضمّن اقتطاعًا كبيرًا من الودائع.
وأضاف أنّه جرى لاحقًا طرح قانون ثانٍ لم يصل إلى مجلس النواب، فيما وصل إلى المجلس قانون يُعرف بـ"قانون الفجوة"، والذي اعتبره أيضًا خطأً كبيرًا لأنه لا يعيد أموال المودعين، بل يقوم على توزيع الخسائر بما يكرّس خسارة جزء من الودائع بدلًا من ردّها.
وتابع أنّه في السابق تمّت خسارة الحقوق، بينما يجري اليوم العمل على تنظيم توزيع الخسائر بشكل قانوني، ضمن مقاربة يجري التوافق عليها بين مصرف لبنان والدولة اللبنانية.
وأوضح أنّ مشروع قانون الفجوة المالية لا يقوم على إعادة الودائع كما هي، بل على اقتطاع جزء كبير منها بحجة أنّ الأزمة "نظامية"، بحيث تُعتبر بعض الودائع غير مؤهلة.
وأضاف أنّ المشروع يتضمن اقتطاعًا مباشرًا يُقدَّر بنحو 30 مليار دولار في المرحلة الأولى، على أن يُصار لاحقًا إلى ردّ مبالغ محدودة لا تتجاوز 100 ألف دولار، فيما تُسدَّد الودائع المتبقية على مدى قد يصل إلى 20 سنة.
واعتبر أنّ هذه الآلية تؤدي عمليًا إلى تآكل كبير في القيمة الفعلية للودائع، بحيث لا تتجاوز نسبة الاسترداد الفعلية ما بين 10 و15 في المئة من قيمتها الأصلية، نتيجة الاقتطاع المباشر وغير المباشر، وطول فترة السداد.
وأشار إلى وجود اقتطاع إضافي غير مباشر يُقدَّر بنحو 15 مليار دولار نتيجة إعادة الجدولة الطويلة، ما يفاقم حجم الخسائر الواقعة على المودعين.
وفي هذا الإطار، قال إنّ أي تمويل خارجي مطروح، حتى لو بلغ نحو 3 مليارات دولار، لا يشكّل سوى حل مؤقت لا يكفي إلا لعدة أشهر من الإنفاق، ما يعكس عمق الأزمة المالية القائمة.
وأضاف أن غياب مسار فعلي للمحاسبة من قبل الدولة اللبنانية ومصرف لبنان والقطاع المصرفي أسهم في تعقيد الأزمة، لافتًا إلى أن توصيفها كأزمة "نظامية"أو ناتجة عن "قوة قاهرة وقضاء وقدر" يُستخدم عمليًا لتمرير آليات توزيع الخسائر.
وأشار إلى أنحجم النظام المالي في لبنان كان يُقدر بنحو 160 مليار دولار قبل الأزمة، قبل أن يتراجع إلى نحو 80 مليار دولار نتيجة الخسائر والتوظيفات داخل الدولة ومصرف لبنان.
وأضاف أنّ الطروحات الحالية لمعالجة الفجوة المالية تتضمن تحميل جزء كبير من الخسائر للمودعين عبر اقتطاعات متتالية وإعادة جزئية للودائع على مراحل زمنية طويلة، ما يؤدي إلى تخفيض كبير في قيمتها الفعلية.
واعتبر أنّ النقاش حول توصيف الأزمة وإدارتها لا يزال مستمرًا في ظل مطالبات بإصلاحات قانونية ومؤسساتية شاملة تعيد التوازن إلى النظام المالي.
وفي سياق حديثه عن مستقبل الأزمة، قال إن مستقبل المودعين يبقى مهددًا في حال استمرار غياب التحرك الجدي للمطالبة بالحقوق، داعيًا إلى تضامن الجمعيات المعنية، وتوحيد جهودها، وتنظيم تحرّك جماعي واضح.
وأشار إلى أن غياب الضغط الشعبي المنظم قد يؤدي إلى مزيد من تآكل قيمة الودائع إذا لم يُصار إلى الدفاع عنها بشكل فعّال.
في النهاية، يبقى ملف الودائع في لبنان بلا حسم واضح حتى الآن، في ظل غياب خطة نهائية لإعادة الأموال، وتباين حاد في مقاربات معالجة الخسائر. وبين مسارات الإصلاح وإعادة الهيكلة التي لا تزال غير مكتملة، يبقى مصير المودعين معلّقًا على قرارات لم تُحسم بعد.