ثماني سنوات مرّت على أزمة السكن في لبنان، منذ أن بدأ مسار القروض السكنية يتراجع تدريجيا عام 2018، عقب قرار مصرف لبنان وقف الدعم والتسهيلات المرتبطة بهذا القطاع، قبل أن يتحوّل الأمر، مع تفاقم الأزمة المالية وتداعياتها، إلى توقف شبه كامل عطّل حركة التمويل السكني وأدخل السوق في حالة من الجمود.
ومع استمرار هذا الواقع، لا يزال حلم التملّك بعيدا عن شريحة واسعة من اللبنانيين، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما يعيد ملف القروض السكنية إلى واجهة الاهتمام، وسط تساؤلات حول مستقبل هذا القطاع وإمكانية إعادة تحريكه.
وفي هذا السياق، قال رئيس مجلس الإدارة والمدير العام للمؤسسة العامة للإسكان، المهندس روني لحود، إن المؤسسة تعمل حاليا على إعادة تفعيل آلية القروض السكنية، بهدف تمكين المواطنين، ولا سيما أصحاب الدخلين المتوسط والمحدود، من الحصول على سكن مناسب وتأمين احتياجاتهم الإسكانية.
وأوضح لحود، عبر منصة "بالعربي"، أن المؤسسة كانت قد منحت سابقاً نحو 85 ألف قرض سكني، بالتعاون مع المصارف التجارية، حيث استفاد المواطنون من هذه القروض عبر آلية استخدام جزء من الاحتياطي الإلزامي التي كان مصرف لبنان قد أتاحها في تلك الفترة.
وأشار إلى أن العمل لا يزال مستمراً في هذا الاتجاه بجدية، لافتاً إلى أن المؤسسة أجرت جولات على عدد من الدول العربية في محاولة لتأمين مصادر تمويل جديدة للقروض السكنية. لكنه شدد، في الوقت نفسه، على أن هذه الجهود قد تواجه تأخيرا نتيجة الأوضاع الاقتصادية القائمة، إضافة إلى تداعيات الحرب والتوترات الإقليمية، ما ينعكس على وتيرة تنفيذ هذه الخطط.
وأكد لحود أنه في حال تبلور أي تفاصيل واضحة، سيتم إبلاغ المواطنين بها فورا، إلا أنه لا يمكن في الوقت الراهن تحديد أي مواعيد أو جداول زمنية لإطلاق القروض، نظرا إلى ارتباط هذا الملف بقرارات رسمية يجب أن تمر عبر مجلس الوزراء ومجلس النواب قبل إقرارها والإعلان عنها رسمياً.
أما في ما يتعلق بملف القروض السكنية والطلبات العالقة، فأوضح أن المؤسسة تتعامل مع هذا الملف وفق آلية واضحة ترتبط بظروف توقف البرنامج عام 2018 وما تبعه من تغيّرات اقتصادية وعقارية.
وأشار إلى أن الطلبات التي قُدّمت قبل عام 2018، وحصل أصحابها على موافقات من المصارف في ذلك الوقت، استُكملت بشكل طبيعي، وصُرفت القروض المترتبة عليها بالتعاون مع القطاع المصرفي ومصرف لبنان.
أما بالنسبة إلى الطلبات التي بقيت قيد المعالجة ولم تُستكمل، أو لم يحصل أصحابها على التمويل، فقد شدد على أنها لا تُعدّ ملفات قائمة اليوم، بل يتوجب على أصحابها تقديم طلبات جديدة من البداية. ويعود ذلك إلى أن السنوات التي مرّت منذ عام 2018، والتي تقارب ثماني سنوات، أدت إلى تغيّر جذري في مختلف عناصر الملف، سواء على مستوى العقارات المرتبطة بالطلبات، أو الاتفاقات مع البائعين التي قد تكون تغيّرت أو أُلغيت، أو حتى البيانات المالية للمواطنين، مثل الرواتب والدخل والمستندات المطلوبة.
وفي هذا الإطار، لفت لحود إلى أن بعض عمليات البيع كانت قد توقفت أو أُعيدت صياغتها بالكامل، ما يجعل الاعتماد على الملفات القديمة غير دقيق وغير عملي في الظروف الحالية، ولا سيما في ظل تغيّر السوق العقارية والواقع الاقتصادي.
كما ذكر بأن المؤسسة كانت قد أعلنت، عند توقف برنامج القروض السكنية، أنها لن تدخل في أي التزامات جديدة، ونبهت المواطنين إلى عدم توقيع وعود بيع أو دفع عربونات على شقق مرتبطة بقروض غير مضمونة، تفادياً لأي خسائر محتملة.
وأكد أن هذا النهج ساهم في تنظيم المرحلة السابقة وإدارة الأزمة بصورة أفضل، وحمى المواطنين من الدخول في التزامات عقارية غير مستقرة بين البائعين والمشترين، كما ساهم في الحد من تفاقم الإشكالات خلال فترة توقف القروض السكنية.
أما في ما يتعلق بجهود تأمين اتفاقات أو مصادر تمويل جديدة لإعادة إطلاق برنامج القروض السكنية، فأوضح أن المؤسسة لا تزال تعمل على هذا المسار، لكنها تواجه تحديات كبيرة مرتبطة بالوضع الاقتصادي العام في لبنان وتداعيات الحرب في المنطقة.
وأشار إلى أن المؤسسة تواصل البحث عن مصادر تمويل خارجية، كما ذُكر سابقاً، إلا أن هذه الجهود تسير ببطء بسبب الظروف الراهنة، ما يؤدي إلى تأخير أي نتائج ملموسة في هذا الملف. وأضاف أنه في حال التوصل إلى أي تطور إيجابي أو اتفاق واضح، سيتم الإعلان عنه فوراً وإبلاغ المواطنين به رسمياً.
وشدد على أن أي برنامج تمويل أو قروض سكنية جديدة لا يمكن أن يدخل حيّز التنفيذ إلا بعد استكمال الإجراءات الدستورية اللازمة، بما في ذلك موافقة مجلس الوزراء ومجلس النواب.
وفي موازاة ذلك، كشف لحود أن المؤسسة تعمل أيضاً على إطلاق الخطة الإسكانية الجديدة، التي تتجاوز فكرة القروض التقليدية، لتشمل أنظمة بديلة، مثل الإيجار والإيجار التملكي (Leasing)، بهدف توسيع خيارات السكن أمام المواطنين وتمكين أكبر عدد منهم من الحصول على مسكن، سواء عبر التملك المباشر أو الإيجار أو التملك التدريجي.
وأكد أن الهدف من هذه التوجهات هو إيجاد حلول إسكانية أكثر مرونة، تتناسب مع الواقع الاقتصادي الحالي، وتخفف من أزمة السكن قدر الإمكان.
في المحصلة، يبقى ملف القروض السكنية في لبنان عالقا بين محاولات إعادة إطلاقه وتعقيدات الأزمة الاقتصادية المستمرة، ما يجعل أي حل قريب غير واضح المعالم. وبين ترقّب التمويل الخارجي والبحث عن خطط بديلة، يظل المشهد السكني مفتوح على احتمالات غير محسومة، بانتظار ما قد تحمله المرحلة المقبلة من تطورات.