June 27, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

ميشال قزح: إعادة الإعمار تحتاج إلى تمويل.. والقطاع المصرفي مفلس

مع إعلان صندوق النقد الدولي بدء مباحثات مع السلطات اللبنانية للتوصل إلى إصلاحات من شأنها التخفيف من آثار الحرب، تتصاعد التساؤلات حول مدى قدرة هذه الإصلاحات على معالجة التداعيات الاقتصادية والمالية التي تعصف بالبلاد. كما يبرز سؤال جوهري عن إمكان تنفيذ إصلاحات فعلية في ظل الانقسام السياسي وغياب المحاسبة، على الرغم من الوعود المتكررة.

فما هي القطاعات التي ينبغي أن تتصدر سلم الأولويات الإصلاحية؟ وكيف سينظر المجتمع الدولي، وفي مقدمته صندوق النقد الدولي، إلى لبنان ومؤسساته الدستورية إذا استمر التعثر في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة؟

وفي هذا السياق، أكد المستشار المالي ميشال قزح أن الحديث عن إصلاحات تهدف إلى التخفيف من آثار الحرب يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه الإصلاحات وجدواها، معتبرا أن الإصلاح المالي والإداري، على أهميته، لا ينعكس بصورة مباشرة على معالجة التداعيات التي خلفتها الحرب، بل يقتصر تأثيره على الجوانب غير المباشرة المتعلقة بإدارة المالية العامة وتحسين أداء مؤسسات الدولة.


وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الإصلاحات التي يطالب بها صندوق النقد الدولي تتركز على تحسين الجباية، وإقفال منافذ الاقتصاد الموازي مثل "القرض الحسن"، ووضع حد للتحويلات المالية غير النظامية، وإخضاع جميع المكلفين للضرائب بصورة عادلة، مشيرا إلى أن هذه الإجراءات، على الرغم من ضرورتها، لا تشكل حلا فعليا لآثار الحرب، لأن معالجة تلك الآثار تتطلب قبل كل شيء توفير التمويل اللازم لإعادة الإعمار وتعويض الأضرار التي لحقت بالمؤسسات والبنية التحتية.


وقال قزح إن الدولة اللبنانية، في ظل إفلاسها المالي، غير قادرة على تحمل أعباء إعادة الإعمار، كما أن القطاع المصرفي يعاني بدوره من الإفلاس، فيما استنزف مصرف لبنان عشرات مليارات الدولارات خلال السنوات الماضية في سياسة تثبيت سعر الصرف وتمويل القطاع العام والدولة، ولا يزال يتحمل أعباء تمويل ميزان المدفوعات، الأمر الذي يجعل إمكانات الدولة محدودة للغاية، مشيرا إلى أن الحكومات المتعاقبة لم تتخذ خطوات جدية لمعالجة العجز في ميزان المدفوعات، الذي اعتبره من أكبر المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني منذ العام 2012، بالتزامن مع اندلاع الحرب في سوريا. ولفت إلى أن قيمة الواردات لا تزال تفوق قيمة الصادرات بصورة مستمرة، ما يزيد من الضغوط الاقتصادية والمالية.


ورأى أن الإجراءات الضريبية التي تعتمدها الدولة لا تعالج جوهر الأزمة، موضحا أنها لم تتجه إلى فرض رسوم أو ضرائب على السلع الكمالية، بل ركزت على الضرائب الاستهلاكية التي تطال الفئات الأكثر فقرا، مثل الضرائب على المحروقات، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، ويضع الاقتصاد في حلقة مفرغة من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. وانتقد قرار منح "الإقامة الذهبية" في بلد يفتقر إلى أدنى مقومات العيش الكريم لمواطنيه.


وعن أولويات الإصلاح، شدد قزح على أن لبنان يحتاج إلى خطة متكاملة تبدأ بإصلاح السلطة القضائية، باعتبار أن القضاء يشكل حجر الأساس في بناء الدولة واستعادة الثقة بالمؤسسات، معتبرا أن إصلاح القضاء يجب أن يترافق مع إصلاح الأجهزة الأمنية لضمان تنفيذ الأحكام وتطبيق القانون بصورة كاملة، قبل الانتقال إلى إصلاح القطاع المصرفي، الذي وصفه بأنه أحد أضلاع مثلث الإصلاح الأساسي إلى جانب القضاء والأمن. وأكد أن استعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني لن تتحقق من دون إصلاح هذه القطاعات الثلاثة، مشيرا إلى أن أي مستثمر أو جهة خارجية لن تضخ أموالا في بلد يفتقد إلى قضاء مستقل وأجهزة أمنية فاعلة وقطاع مصرفي سليم.


ولفت إلى أن المواطنين باتوا يبحثون عن وسائل لحماية مدخراتهم في ظل استمرار الأزمة، مشددا على أن عددا كبيرا منهم لجأ خلال السنوات الماضية إلى شراء الذهب، بينما يتجه كثيرون حاليا إلى الاستثمار في العقارات، باعتبارها أكثر استقرارا على المدى الطويل، إذ تحقق عائدا من خلال الإيجارات، كما ترتفع قيمتها مع مرور الوقت نتيجة ارتفاع كلفة البناء. إلا أنه حذر من أن الاستثمار العقاري في لبنان لا يخلو من المخاطر، لأن الأوضاع السياسية والأمنية لا تزال غير مستقرة، معتبرا أن أي استثمار في الظروف الحالية يبقى رهانا على تحسن الأوضاع مستقبلا، في وقت يستبعد فيه تحقيق استقرار فعلي طالما أن الحرب مستمرة.


وأبدى قزح تشاؤمه حيال إمكان تنفيذ إصلاحات حقيقية في ظل الانقسام السياسي وغياب المحاسبة، مشددا على أن القوى السياسية التي تدير البلاد منذ عقود أثبتت أنها تجيد إدارة الوقت وإطلاق الوعود أكثر من تنفيذ الإصلاحات الفعلية، ولذلك لا يمكن التعويل على تغيير جذري في السياسات الاقتصادية والإدارية خلال المرحلة الحالية.


وفي ما يتعلق بالموقف الدولي وصندوق النقد الدولي من لبنان، رأى أن الصندوق بات على قناعة باستحالة تنفيذ السلطة اللبنانية للإصلاحات المطلوبة، فيما يترقب المجتمع الدولي تطورات المشهد الإقليمي قبل اتخاذ أي خطوات عملية تجاه لبنان، معتبرا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو من يرسم، إلى حد كبير، مسار هذه التطورات. وأشار إلى أن حالة القلق السائدة ترتبط بإمكان اتساع رقعة الحرب وتداعياتها، وأن مختلف الأطراف تراقب المستجدات العسكرية والسياسية قبل اتخاذ أي قرارات تتعلق بتقديم المساعدات أو الاستثمار في لبنان.


وفي ضوء ما تقدم، تؤكد التجارب السابقة أن الوعود المتكررة بالقيام بإصلاحات بنيوية في لبنان بقيت، في معظمها، حبرا على ورق، فيما استمرت مزاريب الهدر والفساد في استنزاف مؤسسات الدولة في ظل النهج السياسي القائم منذ عقود. ومع تداعيات الحربين الأخيرتين، ازداد المشهد الاقتصادي والمالي تعقيدا، وبات لبنان يواجه تحديات غير مسبوقة تهدد بمزيد من التدهور. وفي المقابل، تواصل المؤسسات المالية العربية والدولية مراقبة الأوضاع عن كثب، من دون إبداء استعداد لتقديم دعم مالي واسع، ما لم تقترن الوعود بإصلاحات جدية تعيد بناء الثقة بالدولة ومؤسساتها.