بعدما أكد رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان أن قانون زيادة الرواتب الستة الإضافية للعاملين في القطاع العام والعسكريين والمتقاعدين لا يزال مدرجًا على جدول أعمال أول جلسة تشريعية مقبلة، يعود ملف هذه الزيادة إلى الواجهة، بعدما كان السير به قد تأجل خلال الفترة الماضية بفعل تداعيات الحرب وانعكاساتها على المالية العامة.
وكانت هذه الزيادة قد أُقرت سابقًا، ورُبط تمويلها بالضريبة الإضافية على البنزين التي فُرضت بهدف تأمين إيرادات تساعد في تغطية كلفتها، إلا أن تراجع إيرادات الدولة خلال مرحلة الحرب دفع إلى تجميد تنفيذها في ظل الضغوط التي واجهتها الخزينة.
فهل تسمح الظروف المالية الحالية بالمضي بهذه الزيادة وتمويلها، أم أن أزمة المالية العامة لا تزال تشكل عائقًا أمام تنفيذها؟
في هذا الإطار، أشار الكاتب والخبير الاقتصادي أنطوان فرح إلى أن قرار زيادة الرواتب لموظفي القطاع العام كان قد اقترن أساسًا بفرض ضريبة إضافية على البنزين، بحيث باتت الخزينة تحصل على نحو 300 ألف ليرة عن كل صفيحة، وهو ما كان من المفترض أن يؤمّن القسم الأكبر من تمويل هذه الزيادة.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن تجميد هذا القرار وعدم إقراره خلال الفترة الماضية ارتبطا بالحرب وتداعياتها على المالية العامة، إذ تراجعت إيرادات الخزينة خلال تلك المرحلة، ما دفع الدولة إلى استخدام الإيرادات المتأتية من ضريبة البنزين لتعويض جزء من خسائرها وتفادي تسجيل عجز في الموازنة، من دون إقرار الزيادة.
واعتبر فرح أن توقف الحرب على المستوى الإقليمي، وتراجع حدتها على المستوى اللبناني، يفتحان المجال أمام تحسن المالية العامة، ولا سيما مع عودة الجباية إلى مستويات أقرب إلى الوضع الطبيعي، وتوقف العمل بالإجراءات الاستثنائية التي فرضتها ظروف الحرب، ومنها تمديد المهل الضريبية، معتبرًا أن ذلك قد يسمح للدولة بتمويل الزيادة من دون التسبب بعجز إضافي في الموازنة.
وأكد أن هذا التصحيح يبقى جزئيًا، إلا أن تقييمه يجب ألا يستند إلى مقارنة مباشرة بما كانت عليه الرواتب قبل عام 2019، لأن الاقتصاد اللبناني لم يستعد بعد حجمه وديناميته اللذين كان يتمتع بهما قبل الانهيار، مشيرًا إلى أن الاقتصاد لا يزال متراجعًا بنحو 90 في المئة مقارنة بما كان عليه قبل الأزمة، فيما لا تزال الدولة تعاني تداعيات الانهيار المالي، الأمر الذي يجعل عودة الرواتب إلى قدرتها الشرائية السابقة، في المدى المنظور، أمرًا غير واقعي.
ولفت فرح إلى أن جزءًا من تمويل الزيادة سيأتي من الضريبة المفروضة على البنزين منذ أكثر من ثلاثة أشهر، فيما سيعتمد الجزء الآخر على تحسن إيرادات الدولة مع عودة النشاط الاقتصادي والمالي إلى وتيرته الطبيعية، بعدما كانت الإيرادات قد تراجعت خلال فترة الحرب بنحو 50 في المئة، مبينًا أن تعويض جزء من هذه الخسائر من شأنه أن يتيح تمويل الزيادة من دون المجازفة بحدوث عجز في الموازنة العامة.
وشدد على أن ملف الرواتب لا يمكن فصله عن المشهد الاقتصادي العام، إذ إن بناء هيكلية رواتب مرتفعة ومستقرة يرتبط بوجود اقتصاد قوي ومتعافٍ وقادر على تحقيق نسب نمو مرتفعة، لافتًا إلى أن تحسين الدخل الفردي والقدرة الشرائية بصورة مستدامة يبقيان مرتبطين مباشرة بتحسن الاقتصاد، لأن أي زيادة في الرواتب لا تستند إلى نمو اقتصادي فعلي ستبقى محدودة الأثر وغير قابلة للاستمرار على المدى الطويل.
وفي نهاية المطاف، فإن إقرار الرواتب الستة الإضافية، في حال حصوله، قد يخفف من الأعباء التي يواجهها العاملون في القطاع العام، إلا أنه لا يشكل حلًا نهائيًا لأزمة الرواتب، على اعتبار أن تمويل أي زيادة عبر رفع الضرائب لا يعالج أصل المشكلة، التي تبقى مرتبطة بقدرة الاقتصاد اللبناني على التعافي واستعادة نموه.