June 25, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

عن الإقامة الضريبية.. إيهاب مطر: لبنان يحتاج إلى استعادة الثقة قبل جذب الاستثمارات

في خطوة تعكس مسعى جديدا لجذب الاستثمارات إلى اقتصاد يواجه ضغوطا خانقة، أقرّت اللجان النيابية في لبنان مشروع قانون "الإقامة الذهبية" أو "الإقامة الضريبية"، الذي يتيح للمستثمرين الأجانب واللبنانيين غير المقيمين الحصول على إقامة خاصة مقابل استثمار لا يقل عن 500 ألف دولار داخل البلاد.

ويأتي هذا المشروع في وقت لا يزال فيه لبنان يبحث عن أي منفذ لإعادة إنعاش اقتصاده واستعادة الثقة المفقودة منذ سنوات الانهيار المالي، فيما يعوّل المؤيدون على أن يسهم القانون في استقطاب رؤوس أموال جديدة وتحريك النشاط الاستثماري وخلق فرص عمل. في المقابل، قوبل الإعلان عنه بنقاش واسع وتساؤلات حول واقعيته وجدواه في ظل التحديات الاقتصادية العميقة التي لا تزال تعيق مسار التعافي.

وفي هذا السياق، قال النائب إيهاب مطر إن لبنان يواجه تحديات كبيرة، أبرزها إدراجه على القائمة الرمادية في التصنيف المالي، ما يشكّل عاملا أساسيا يؤثر على مناخ الاستثمار، موضحا أنه على الرغم من أهمية التفكير بالمستقبل ووضع خطط اقتصادية بعيدة المدى، إلا أن الظروف الراهنة قد لا تكون مشجّعة بما يكفي لعدد كبير من المستثمرين للدخول إلى السوق اللبنانية في الوقت الحالي. أما الفئة التي يمكن أن تجد في هذا المشروع فرصة فعلية، بحسب مطر، فهي اللبنانيون غير المقيمين، لا سيما أولئك الذين يمتلكون مصالح وأعمالا خارج لبنان ويخضعون لأنظمة إقامة وضريبية في دول متعددة.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن اعتماد مفهوم "الإقامة الضريبية" قد يتيح لهؤلاء إمكان إعادة تنظيم أوضاعهم الضريبية في الدول التي ينشطون فيها، وذلك ضمن الأطر القانونية والاتفاقيات المعتمدة بين الدول، من دون أي ارتباط بمحاولات تهرب ضريبي أو تبييض أموال.


وبناء عليه، رأى مطر أن هذه الفئة تبقى الأكثر قدرة على الاستفادة من المشروع في المرحلة الراهنة، مقارنة بغيرها من المستثمرين الأجانب، في ظل الظروف الاقتصادية والمالية التي يعيشها لبنان. وقال إن الشروط المطلوبة للاستفادة من هذا البرنامج ليست كثيرة أو معقدة. ويتمثل الشرط الأول بالإقامة في لبنان لمدة لا تقل عن 90 يوما سنويا، فيما يقوم الشرط الثاني على استثمار لا يقل عن 500 ألف دولار، سواء عبر وديعة نقدية أو شراء عقار أو تأسيس مؤسسة تجارية داخل البلاد. إلا أن خياري العقار والمؤسسة يحتاجان إلى مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء يحدد التفاصيل المتعلقة بالقيمة والعمالة ورأس المال وموقع الشركة والقطاعات المعنية.


وأوضح أن هذه هي الشروط الأساسية من دون أي إضافات أخرى، مشيرا إلى أن الاستفادة من البرنامج تقتصر على غير المقيمين في لبنان، أي الذين يُصنَفون كمقيمين ضريبيا في الخارج.


وقال مطر إن أي شخص مقيم داخل لبنان لا يمكنه الاستفادة من هذا الإطار، إذ يشترط أن يكون المستفيد مقيما خارج البلاد لأسباب ضريبية، لافتا إلى أن لا حوافز مرتبطة بالعمل داخل السوق اللبنانية، بحيث إن أي نشاط اقتصادي يقوم به المستفيد يبقى خاضعا للقوانين اللبنانية الحالية من دون امتيازات أو إعفاءات إضافية. وبالتالي، فإن هذا البرنامج يتيح الاستفادة منه حصرا لتنظيم المصالح والأنشطة خارج لبنان، من دون أن يشمل تقديم أي دعم مباشر للنشاط داخل الاقتصاد المحلي.


وعن الأسباب التي قد تدفع مستثمرا يملك القدرة المالية إلى اختيار لبنان، أو عن المقومات والحوافز التي يمكن أن تجعل البلد منافسا لدول أخرى تطرح برامج مشابهة في بيئات أكثر استقرارا، رأى أن الاستفادة الأولى لغير اللبنانيين تبقى مرتبطة بوجود قناعة فعلية بإمكان الاستثمار داخل لبنان، معتبرا أن "الإقامة الضريبية" بحد ذاتها لا تشكل في المرحلة الحالية العنصر الأساسي لجذب الاستثمارات، خصوصا في ظل وجود دول أخرى تتمتع بثقة أعلى على المستوى الدولي وقدرة أكبر على استقطاب رؤوس الأموال.


أما بالنسبة للبنانيين، فلفت مطر إلى أن النقطة الأساسية تكمن في رغبة بعضهم بالعودة إلى الإقامة في لبنان، مشيرا إلى أن عددا من الأشخاص يرغبون بالعيش في البلاد، لكن ظروف الإقامة الضريبية السابقة كانت تجعل هذا الأمر أقل سهولة من الناحية الرسمية.


وأوضح أن النظام السابق كان يتطلب إقامة تقارب ستة أشهر سنويا لتثبيت الصفة الضريبية، بينما ساهم تخفيضها إلى 90 يوما في تسهيل هذا المسار للمغتربين، ما يتيح لهم تسجيل أنفسهم كمقيمين ضريبيا في لبنان والحصول على رقم ضريبي معترف به دوليا، بما يساعدهم على تنظيم أوضاعهم المالية عبر أكثر من دولة، في ظل وجود أنظمة إعفاء في عدد من البلدان على الدخل خارج بلد الإقامة، مشيرا إلى أن هذا الإطار قد ينعكس عمليا على أصحاب الشركات والمصالح المنتشرين في دول عدة، من خلال تنظيم وضعهم الضريبي ضمن القوانين المعتمدة، من دون أن يعني ذلك أي تهرب ضريبي أو استغلال للنظام.


كما تحدث مطر عن المحفزات الأساسية تبقى مرتبطة بتفاصيل التطبيق، مثل قيمة الاستثمار المطلوب، وشروط العقارات والمؤسسات، إضافة إلى البيئة الاقتصادية العامة ومدى تطورها في المرحلة المقبلة.


ورأى أن الإقبال على المشروع في بدايته سيكون محدودا، لكنه قد يتطور تدريجيا مع تحسن الوضع الاقتصادي وتقدم مسار الإصلاحات والتعاون مع المؤسسات الدولية، ما قد يوسع دائرة المستفيدين مستقبلا، مشيرا إلى أن إقرار هذا القانون يشكّل خطوة إيجابية في الاتجاه العام، حتى لو لم يحقق نتائج فورية. واعتبر أنه يفتح نافذة نقاش حول أدوات جذب الاستثمار في مرحلة صعبة، ويمكن البناء عليه لاحقا مع تحسن الظروف.


في المحصلة، يواجه المشروع نقاشا واسعا وتباينا في وجهات النظر، بين من يرى أن جذب الاستثمارات يتطلب استقرارا سياسيا واقتصاديا راسخا وبيئة مصرفية موثوقة، وبين من يعتبره خطوة قد تفتح مسارات تدريجية لدعم الاقتصاد وتعزيز إيرادات الدولة، بانتظار تحسن الظروف العامة في البلاد. ويبقى السؤال: في ظل وجود برامج مماثلة في دول أخرى أكثر استقرارا، هل يجد المستثمر فعلا سببا كافيا لاختيار لبنان؟