في لحظةٍ مفصلية يزداد فيها الضغط الاقتصادي على طرابلس والشمال، لا يعود الحديث عن التنمية ترفاً أو خياراً مؤجلاً، بل ضرورةً تفرض نفسها لإعادة رسم المسار من جديد. ومن هنا، يطلّ مؤتمر "إنماء طرابلس – رؤية 2035" كمحاولة جادة لفتح صفحة مختلفة، عنوانها الانتقال من واقعٍ مثقل بالتحديات إلى رؤية اقتصادية متكاملة تعيد للمنطقة موقعها الطبيعي كمركز محوري للاستثمار والتجارة والخدمات اللوجستية في لبنان.
وفي هذا السياق، تتواصل سلسلة من اللقاءات التشاورية التي يقودها رجل الأعمال الأستاذ سامر كبّارة مع الفاعليات والمؤسسات الاقتصادية والتنموية في طرابلس، في مسعى إلى توحيد الجهود حول مقاربة واحدة تُحوّل الطموحات إلى مسار عملي، وتفتح الباب أمام مشاريع قابلة للتنفيذ، قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية وصناعة فرص نمو حقيقية في الشمال.
ومن هذا المنطلق، أكد رجل الأعمال سامر كبّارة أن مؤتمر "إنماء طرابلس – رؤية 2035" لا يندرج في إطار المؤتمرات التقليدية، بل يشكّل منصة استثمارية وتنموية تهدف إلى وضع خريطة طريق اقتصادية موحّدة وواضحة تنطلق من طرابلس والشمال، برعاية دولة رئيس مجلس الوزراء، ومشاركة الوزراء المعنيين والسفراء والشركاء المحليين والدوليين.
وأوضح كبّارة، عبر منصة "بالعربي"، أن الهدف الأساسي للمؤتمر يتمثل في تسليط الضوء على الفرص الاستثمارية الواعدة في الشمال، واستقطاب استثمارات القطاع الخاص المحلي واستثمارات المغتربين، إلى جانب الصناديق الاستثمارية العربية والدولية، من خلال عرض مشاريع قابلة للتنفيذ ضمن رؤية متكاملة تهدف إلى النهوض بالواقع الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتحفيز النمو المستدام.
وأشار إلى أن الحاجة إلى هذه المبادرة في هذا التوقيت تحديداً تنبع من طبيعة الاقتصاد والاستثمار القائمَين على اغتنام الفرص في الوقت المناسب، لافتاً إلى أنه في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، بات من الضروري أن تمتلك طرابلس والشمال رؤية واضحة ومشاريع جاهزة لاستقطاب الاستثمارات، لأن الفرص لا تنتظر، ومن يتأخر في التحضير يخسر موقعه في المنافسة على رؤوس الأموال والاستثمارات.
وأضاف أن الدافع إلى إطلاق هذه المبادرة في هذه المرحلة يرتبط أيضاً بحجم التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، حيث تتشكل ممرات اقتصادية وتجارية جديدة في الشرق الأوسط، ما يفرض ضرورة أن يكون لطرابلس والشمال موقع فاعل ضمن هذه المتغيرات، بدلاً من البقاء على هامشها.
ولفت إلى أن التطورات الحاصلة في سوريا تفتح آفاقاً جديدة للتكامل الاقتصادي والتجاري، في ظل اهتمام واضح بالاستفادة من المقومات التي يمتلكها الشمال اللبناني، ولا سيما طرابلس، لتكون منصة تجارية ولوجستية تربط الساحل السوري بالعمق العربي والأسواق الإقليمية، مشيراً إلى أن هذا التوجه يبرز بشكل متكرر خلال اللقاءات والنقاشات مع العديد من المعنيين.
وعلى الصعيد اللبناني، رأى كبّارة أن هناك فرصة مهمة تتمثل في وجود رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، الذي يتمتع بالجدية والمصداقية والرؤية الإصلاحية، ويعمل على إعادة تفعيل دور الدولة وتحريك عجلة الاقتصاد والاستثمار، معتبراً أن هذا المناخ الإيجابي يوفر فرصة حقيقية لإطلاق مشاريع استراتيجية طال انتظارها وتحويل الأفكار إلى خطوات تنفيذية ملموسة.
أما العامل الأهم، فهو الواقع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي عانت منه طرابلس والشمال على مدى عقود نتيجة الإهمال وتراجع الاستثمارات وفرص العمل. لذلك، لم يعد تحريك الملف الإنمائي خياراً، بل أصبح ضرورة وطنية واقتصادية ملحّة لإعادة إطلاق النمو، واستقطاب الاستثمارات، وخلق فرص العمل، وتحويل الموقع الاستراتيجي لطرابلس والشمال إلى رافعة أساسية للاقتصاد اللبناني.
وأكد كبّارة أن المنطقة تقف اليوم أمام فرصة قد لا تتكرر، مشدداً على أن النجاح يتطلب الانتقال من مرحلة المطالبة إلى مرحلة المبادرة والتخطيط والتنفيذ، لأن الاقتصاد لا ينتظر، والفرص تذهب إلى المناطق الأكثر جهوزية لاستقبالها.
وأشار إلى أن المشاريع المطروحة أكثر واقعية مما يعتقد كثيرون، لأنها لا تنطلق من الصفر، بل تستند إلى بنية تحتية ومقومات قائمة بالفعل. فمطار رينيه معوض أصبح حقيقة قائمة ضمن مسار التفعيل، ما يجعله ركيزة أساسية لأي رؤية اقتصادية متكاملة للشمال.
وأضاف أن مشروع السكك الحديدية الذي يربط مرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة بمطار القليعات وصولاً إلى العبودية، ثم إلى حمص وحلب، يتمتع بمزايا مهمة على الأراضي اللبنانية، إذ لا يواجه عقبات جوهرية على صعيد التضاريس أو التعديات، كما أن جزءاً من البنية التحتية للسكك لا يزال موجوداً داخل مرفأ طرابلس. وإلى جانب ذلك، أصبحت الدراسات الفنية والتحضيرات اللازمة لطرح المناقصات في مراحل متقدمة.
ولفت إلى أنه، ومن خلال متابعته المستمرة مع وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني والمدير العام لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك زياد شيا، فإن المؤشرات تبدو إيجابية، وهناك اهتمام جدي بدفع هذا المشروع إلى مراحل التنفيذ.
وأوضح أن الفرص لا تقتصر على قطاع النقل فحسب، بل تشمل أيضاً قطاع الطاقة، من خلال الاستفادة من منشآت النفط في الشمال ومن إمكانات تخزين النفط وتكريره، إضافة إلى المشاريع المطروحة لإعادة تفعيل خطوط الربط الإقليمية، ومنها خط كركوك، عندما تتوافر الظروف المناسبة لذلك.
ورأى أن ما يميز الشمال هو امتلاكه عناصر اقتصادية متكاملة قلّما تجتمع في منطقة واحدة، من مرفأ بحري ومطار ومنطقة اقتصادية خاصة ومنشآت نفطية، إلى موقع استراتيجي يربط لبنان بعمقه العربي. ولذلك، فإن التحدي اليوم لا يكمن في توفير البنية التحتية، بل في استقطاب الاستثمارات، وتأمين الشراكات، ووضع آليات تنفيذ واضحة للاستفادة من هذه المقومات.
ومن هنا، تبرز أهمية مؤتمر "إنماء طرابلس – رؤية 2035"، الذي يهدف إلى تحويل هذه الأصول الاقتصادية إلى مشاريع منتجة وفرص عمل واستثمارات مستدامة، انطلاقاً من قناعة بأن الشمال يمتلك فرصة حقيقية ليصبح مركزاً اقتصادياً ولوجستياً رئيسياً للبنان والمنطقة.
وكشف كبّارة أن الطموح يتمثل في استقطاب ما بين ملياري دولار وأربعة مليارات دولار من الاستثمارات خلال العقد المقبل، وخلق ما بين 20 ألفاً و40 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة للشباب في طرابلس والشمال.
وأشار إلى أن الضمانة الأساسية اليوم تكمن في أن جزءاً كبيراً من هذه المشاريع لم يعد مجرد أفكار أو عناوين، بل أصبح واقعاً قائماً أو في مراحل متقدمة من التحضير والتنفيذ. وبالتالي، لم يعد التحدي في إثبات جدواها، بل في تسويقها واستقطاب الاستثمارات اللازمة لتفعيلها وتسريع الاستفادة منها.
وأضاف أن قرار الاستثمار يرتبط بثلاثة عوامل رئيسية هي: الاستقرار الأمني، ووضوح الرؤية، والثقة بالبيئة الاستثمارية. لذلك، فإن ترسيخ الأمن ووقف الحرب وتحقيق الاستقرار الدائم يشكلان عناصر أساسية لتسريع تنفيذ المشاريع وجذب رؤوس الأموال.
كما شدد على أن المناخ المحلي الإيجابي يلعب دوراً محورياً، لأن رأس المال يتجه بطبيعته نحو البيئات المتفائلة والواثقة بمستقبلها، فيما يشكل التشاؤم وعدم الثقة عائقاً أمام الاستثمار والنمو. وأكد أن المطلوب اليوم هو الانتقال من ثقافة انتظار الحلول إلى ثقافة المبادرة والعمل، لأن الفرص الاقتصادية تنجح عندما تتوافر الإرادة والاستقرار والثقة.
وفي معرض حديثه عن ملامح المستقبل الذي يتطلع إليه من خلال "رؤية 2035"، رأى كبّارة أن التحول الحقيقي الذي تنشده طرابلس لا يقتصر على تنفيذ مشاريع جديدة أو تطوير البنية التحتية، بل يتعدى ذلك إلى إعادة تموضع المدينة على الخريطة الاقتصادية اللبنانية والإقليمية.
وأشار إلى أن طرابلس عاشت لعقود طويلة أسيرة صورة ارتبطت بالمشكلات والتحديات، إلا أنها تمتلك اليوم فرصة حقيقية لإعادة تعريف نفسها من خلال ما تختزنه من إمكانات وفرص واعدة. فالموقع الجغرافي الذي اعتُبر في مراحل سابقة عبئاً بسبب الظروف المحيطة، يمكن أن يتحول إلى أهم عنصر قوة تمتلكه المدينة، وأن يشكل ركيزة أساسية لدورها الاقتصادي المستقبلي.
وأوضح أن رؤيته لطرابلس تقوم على تحويلها إلى مركز لوجستي وتجاري وصناعي متكامل يربط لبنان بالأسواق العربية، ويؤدي دوراً محورياً في حركة التجارة وإعادة التصدير والخدمات، مستفيداً من التكامل بين المرفأ والمطار والمنطقة الاقتصادية الخاصة وشبكات النقل والطاقة، بما يعزز مكانتها كبوابة طبيعية للبنان نحو محيطه العربي والأسواق الإقليمية.
وأكد أن الدول والمدن لا تصبح غنية لأنها تملك المال، بل لأنها تعرف كيف تستثمر موقعها وأصولها الاستراتيجية، مشيراً إلى أن طرابلس تمتلك مقومات يصعب أن تجتمع في مدينة واحدة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط.
وتابع كبّارة أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاريع التي تُنفذ أو حجم البنية التحتية التي تُنشأ، بل بقدرة هذه المشاريع على بناء اقتصاد مستدام يولّد الفرص لأبناء المدينة. وقال إن المعيار الفعلي للنجاح يتمثل في أن يصبح الشاب الطرابلسي قادراً على التفكير في تأسيس شركة أو تطوير مشروع خاص به داخل مدينته، بدلاً من اعتبار الهجرة الخيار الوحيد لتحقيق مستقبله.
وختم برسالة وصفها بالبسيطة، لكنها تختصر جوهر الرؤية التي يحملها لطرابلس، مؤكداً أنه لا يطمح إلى أن تكون المدينة أفضل مما كانت عليه فحسب، بل إلى أن تستعيد المكانة التي كان يفترض أن تحتلها منذ عقود، بوصفها العاصمة الاقتصادية للبنان على شاطئ المتوسط، وبوابة طبيعية تربط لبنان بالمشرق العربي وتؤدي دورها التاريخي كمركز للتجارة والاستثمار والتنمية.
وفي نهاية المطاف، يبقى نجاح "رؤية 2035" مرهوناً بقدرتها على الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، وتحويل المقومات التي يمتلكها الشمال إلى مشاريع منتجة وفرص عمل واستثمارات مستدامة. وبين الطموح والواقع، يبقى الرهان على تضافر جهود الدولة والقطاع الخاص والشركاء المحليين والدوليين لترجمة هذه الرؤية إلى مسار تنموي متكامل يعيد لطرابلس والشمال دورهما الاقتصادي المحوري في لبنان والمنطقة.