بمجرد الحديث عن إمكان وقف الحرب وبدء الأهالي بالعودة إلى قراهم وبلداتهم، عاد ملف إعادة الإعمار إلى واجهة الحديث، باعتباره التحدي الأكبر أمام الدولة اللبنانية في المرحلة المقبلة، خصوصا وأن حجم الدمار متراكم منذ حرب 2024 حتى الآن.
ووفقا لتقديرات البنك الدولي، فإن كلفة إعادة الإعمار هي نحو 11 مليار دولار، إلا أن هذا الرقم يبقى أوليا وقد لا يعكس الكلفة الفعلية، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، وسط توقعات بأن تكون الأضرار النهائية أكبر بكثير.
فمن سيمول عملية إعمار لبنان والجنوب في ظل عجز الدولة عن تحمل هذه الكلفة، واحتمال غياب الدعم العربي والدولي في حال بقي ملف سلاح حزب الله من دون حسم؟
في هذا السياق، أكدت الصحافية سابين عويس أن التقديرات المتداولة حول كلفة إعادة إعمار لبنان، والتي تشير إلى نحو 11 مليار دولار بحسب البنك الدولي، قد لا تعكس الحجم النهائي للأضرار، موضحة أن الكلفة الإجمالية للحرب قد تتجاوز هذا الرقم بكثير، وربما تصل إلى نحو 20 مليار دولار، خصوصا وأن التقديرات الحالية لم تبن بعد على عملية مسح كاملة وشاملة لكل المناطق المتضررة، بما يسمح بتحديد حجم الأضرار الحقيقي.
وأشارت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن هذه الأرقام تبقى تقديرات أولية، آملة في ألا تتجاوز الأضرار هذا السقف. ولفتت إلى أن معظم تقديرات الخبراء تشير إلى أن الكلفة ستكون أكبر، وربما تصل إلى ضعف الرقم الحالي، نتيجة حجم الدمار الذي لم يقيّم بشكل كامل حتى الآن.
وفي ما يتعلق بالجهات القادرة على تمويل عملية إعادة الإعمار، شددت عويس على أن الدولة اللبنانية لا تملك القدرة على القيام بهذه المهمة بمفردها، إلا أنها أكدت، في المقابل، ضرورة أن يكون للدولة دور أساسي في المرحلة الأولى، لناحية تأمين الحد الأدنى من مقومات عودة النازحين، ومساعدتهم على العودة إلى قراهم وبلداتهم، إضافة إلى تأمين بعض التحسينات الأساسية في البنى التحتية التي تسمح بالوصول إلى هذه المناطق وعودة الحياة إليها.
وقالت إن حجم التمويل المطلوب يجعل من غير الممكن أن تتولى جهة واحدة هذه العملية، لافتة إلى أن التعويل لدى بيئة حزب الله والطائفة الشيعية على أن يكون التعويض من خلال إيران لن يكون أمرا سهلا، على الرغم من أن إمكان تحرير أرصدة إيرانية قد تجعل عملية التمويل أسهل بالنسبة إلى طهران، إلا أنه حتى الآن لم تظهر أي مؤشرات واضحة على استعداد إيران للقيام بهذا الدور.
أما بالنسبة إلى الدول الخليجية، فأكدت عويس أن التعويل يبقى قائما على مساهمة هذه الدول، إلا أن الموقف الخليجي لا يزال مرتبطا بملف سلاح حزب الله وحصرية السلاح بيد الدولة، مشيرة إلى أن دول الخليج لن تقدم أي مساهمات في إعادة إعمار لبنان، لا بشكل ثنائي ولا ضمن إطار جماعي، في حال لم يكن هناك قرار سياسي واضح يتعلق بمسألة السلاح واستعادة الدولة سيادتها وقرارها على كامل الأراضي اللبنانية.
ولفتت إلى أن حجم التمويل المطلوب سيحتاج حتما إلى مؤتمر دعم دولي تشارك فيه الدول المانحة والمؤسسات الدولية، إلا أن هذا المسار، برأيها، لن يكون متاحا من دون معالجة الملف السياسي والأمني المرتبط بالسلاح، موضحة أن النقاش لا يتعلق فقط بوجود السلاح، بل أيضا بكيفية حصر استخدامه وتحديد وظيفته. وتحدثت عن ضرورة التمييز بين السلاح المتوسط والطويل الأمد، لا سيما الصواريخ، وبين السلاح الفردي الذي يتمسك حزب الله بالإبقاء عليه تحت عنوان الدفاع عن النفس.
وقالت عويس إن هذا الملف يحتاج إلى نقاش داخلي جدي وحوار يمكن أن يحدد مستقبل السلاح ودوره، سواء لناحية علاقته بالدولة اللبنانية أو لناحية إعادة إدماج حزب الله في الحياة السياسية اللبنانية إذا كان يتجه إلى هذا الخيار، مؤكدة أن بقاء هذا الملف من دون معالجة قد يتحول إلى مصدر مشكلة داخلية جديدة، لا سيما وأن الاتفاق الإيراني الأميركي، وفق قراءتها، اقتصر على وقف إطلاق النار ولم يتناول قضايا أساسية مثل الانسحابات أو ضبط الأذرع العسكرية المرتبطة بإيران، أو تحديد آليات التعامل مع هذا السلاح مستقبلا.
وفي حال غياب التمويل الخليجي، اعتبرت ألّا بدائل واقعية قادرة على سد الفجوة المطلوبة، محذرة من أن لبنان قد يدخل في مرحلة استنزاف اقتصادي قد تتحول إلى خطر اجتماعي. ولفتت إلى أن النازحين الموجودين اليوم في المجتمعات المضيفة بقوا فيها بسبب الخطر على حياتهم، لكن في حال زال هذا الخطر وأصبح بالإمكان عودتهم إلى قراهم وبلداتهم، فإن غياب التمويل لإعادة تأهيل هذه المناطق وتأمين مقومات العودة قد يخلق أزمة جديدة أمام الدولة.
أما في ما يتعلق بإمكانبقاء ملف إعادة الإعمار معلقا بانتظار تسوية سياسية وأمنية، فأكدت عويس أن هذا الاحتمال قائم، مشيرة إلى أن الحديث الجدي عن الإعمار لن يبدأ قبل تبلور صيغة التسوية السياسية المقبلة، واتضاح مسار التفاوض في واشنطن، وما إذا كان سيفضي إلى برنامج زمني للانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، إذ لا يمكن إطلاق عملية إعادة إعمار في ظل استمرار الآلة العسكرية الإسرائيلية في استهداف الأراضي اللبنانية والتسبب بمزيد من الدمار.
وشددت على أن ملف إعادة الإعمار لا يرتبط بلبنان وحده، بل يرتبط بالتسوية الإقليمية الأوسع، لا سيما بتطورات الاتفاق الإيراني الأميركي وآليات تطبيقه، وبمدى قدرة لبنان على الاستفادة من هذه المرحلة لإعادة تثبيت دور الدولة ومؤسساتها.
في نهاية المطاف، من الواضح أن ما بعد الحرب لا يبدو أقل تعقيدا من أيامها، فلبنان الذي يعاني من مشاكل اقتصادية ومالية وأمنية متراكمة، سيواجه تحديا إضافيا يتمثل في إعادة إعمار مناطق واسعة تضررت بفعل الحرب، في وقت يبقى الأمل مرتبطا بالصيغة التي ستنتهي إليها المفاوضات، وما إذا كانت الصيغة النهائية ستمنح المجتمعين العربي والدولي حافزا لدعم لبنان في مرحلة إعادة الإعمار.