عاد الحديث مجددا في لبنان عن احتمال إصدار فئات نقدية جديدة من الليرة، في ظل التراجع الكبير الذي شهدته قيمتها خلال السنوات الأخيرة. وبينما يعبر البعض عن مخاوف من انعكاسات هذه الخطوة على سعر الصرف، يرى آخرون أنها قد تساهم في تسهيل التعاملات اليومية وتخفيف صعوبة استخدام الأوراق النقدية بكميات كبيرة. إلا أن أي قرار من هذا النوع يبقى، بحسب المعطيات الاقتصادية، مرتبطا بتحقيق قدر من الاستقرار النقدي والمالي، إلى جانب المضي في الإصلاحات المطلوبة واستعادة القطاع المصرفي لدوره الطبيعي في الاقتصاد.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي أنطوان فرح أن موضوع طباعة فئات نقدية جديدة من الليرة اللبنانية كان قد اتخذ بشأنه قرار مبدئي في العام الماضي، بعد أن منح مجلس النواب مصرف لبنان صلاحية إصدار فئات جديدة من العملة، مشيرا إلى أن النقاش تناول إمكان إصدار فئات كبيرة تبدأ من 500 ألف ليرة، مرورا بالمليون ليرة، وصولا إلى فئة الخمسة ملايين ليرة.
وأكد عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الهدف من هذه الفئات لا يرتبط بالثقة بالعملة أو بسعر الصرف، بل يندرج ضمن اعتبارات تقنية هدفها تسهيل استخدام الليرة اللبنانية في التعاملات اليومية، في ظل التراجع الكبير في قيمتها، موضحا أن التراجع الحاد في قيمة الليرة اللبنانية بعد الأزمة جعل حمل مبالغ نقدية كبيرة أمرا صعبا على المستهلكين، وهو ما انعكس مباشرة على الحياة اليومية.
وأشار فرح إلى أن هذا الواقع دفع باتجاه الاعتماد بشكل متزايد على الدولار في المعاملات، ما أدى إلى تراجع دور الليرة اللبنانية، إذ لم تعد تستخدم كوسيلة ادخار نتيجة فقدان الثقة بها، كما تراجع دورها كعملة تداول لصالح العملة الأجنبية الأكثر سهولة في الاستخدام.
وفي ما يتعلق بإمكان طرح فئات نقدية جديدة، رأى أن الوقت لا يزال مبكرا لمثل هذه الخطوة، لافتا إلى أنه لا يتوقع أن يقوم مصرف لبنان بإصدار أو بتداول فئات كبيرة من الليرة قبل انتهاء مرحلة الانهيار، وإقرار القوانين الإصلاحية الأساسية مثل قانون الفجوة المالية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وعودة الاقتصاد إلى مساره الطبيعي. وقال: ضبط سعر صرف الليرة في المرحلة الحالية يحصل عبر آلية خاصة تختلف عن الآليات المعتمدة في الاقتصادات الطبيعية وإن هذه الآلية تقوم بشكل أساسي على التحكم بالكتلة النقدية بالليرة والحفاظ عليها ضمن حدود معينة.
أضاف فرح إن إدخال فئات نقدية كبيرة جديدة في الوقت الراهن قد يؤدي إلى زيادة الطلب على الليرة، وهو ما لا يصب في مصلحة استقرار سعر الصرف، إذ قد يخلق حالة من الضغط أو القلق المرتبط بإمكان نقص السيولة، ما قد يدفع مصرف لبنان إلى توسيع الكتلة النقدية، الأمر الذي ينعكس بدوره على استقرار السوق النقدي.
ولذلك، رأى أن إصدار أو طرح هذه الفئات لن يحصل في المرحلة الحالية، مرجحا أن يبقى هذا الخيار مؤجلا إلى ما بعد انتهاء مرحلة الانهيار وعودة الاقتصاد اللبناني إلى مساره الطبيعي.
وفي المحصلة، لا يعد إصدار فئات نقدية جديدة حلا للأزمة الاقتصادية أو النقدية، بل خطوة تقنية تهدف إلى تسهيل الاستخدام اليومي للعملة، على أن يبقى تنفيذها مرهونا بتحقيق الاستقرار المالي والمضي في الإصلاحات الضرورية التي تعيد التوازن إلى الدورة الاقتصادية.
ويبقى السؤال: هل يقترب هذا التوجه فعلا من التطبيق، أم أنه سيبقى مؤجلا حتى تتوافر الظروف الاقتصادية المناسبة؟