ولا تقتصر أهمية القرار على انعكاساته الاقتصادية المباشرة، بل تمتد إلى ما يحمله من مؤشرات على عودة الثقة العربية بلبنان، وعلى إمكانية فتح الباب أمام خطوات إضافية من شأنها دعم مسار التعافي الاقتصادي وتعزيز علاقات لبنان مع محيطه العربي.
وفي هذا السياق، شرح الباحث في الشؤون الاقتصادية والمالية الدكتور نسيب غبريل الأبعاد الاقتصادية والمعنوية لقرار رفع الحظر عن الصادرات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية، مؤكداً أن تداعياته الإيجابية تتجاوز الجانب التجاري لتطال الثقة بالاقتصاد اللبناني ومستقبل علاقاته العربية.
وأوضح غبريل، عبر منصة "بالعربي"، أنه بالنسبة إلى التداعيات العملية أو المادية، كان لبنان يصدر تقريباً 8% من إجمالي صادراته إلى المملكة العربية السعودية خلال الأعوام 2016 و2019 و2020. وقد بلغت قيمة هذه الصادرات نحو 246 مليون دولار عام 2019، من أصل مجموع صادرات بلغ 3 مليارات و730 مليون دولار في العام نفسه، أي ما يعادل نحو 7% من إجمالي الصادرات اللبنانية.
وأشار إلى أن المملكة العربية السعودية كانت دائماً من بين أول ثلاث وجهات للصادرات اللبنانية على مستوى العالم.
وأضاف أن رفع الحظر عن الصادرات إلى المملكة لا يعني فقط إعادة دخول المنتجات اللبنانية إلى السوق السعودية، بل يفتح المجال أيضاً أمام الشركات اللبنانية المصدرة لإعادة تصدير منتجاتها عبر الأراضي السعودية إلى دول خليجية أخرى براً. وأوضح أن هذا الخيار لم يكن متاحاً خلال فترة الحظر، إذ كان المصدرون مضطرين إلى الاعتماد على الشحن البحري أو الجوي، وهما أكثر كلفة بكثير من النقل البري.
وبالتالي، فإن كلفة التصدير إلى دول الخليج ستتراجع مع استعادة الشركات اللبنانية قدرتها على استخدام الطرق البرية عبر المملكة العربية السعودية.
وبيّن غبريل أن أبرز الصادرات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية، وفق أرقام عام 2019، كانت الخضروات التي شكّلت نحو 15% من مجموع الصادرات إلى المملكة، تلتها المأكولات المحضّرة والمعلّبة بنسبة 23%، ثم المواد الكيميائية بنسبة 14.8%. كما شكّلت المنتجات الورقية نحو 8.6%، فيما بلغت حصة المكنات والآلات نحو 10% من إجمالي الصادرات اللبنانية إلى المملكة.
وأكد أن استئناف تصدير المنتجات اللبنانية إلى السوق السعودية سيدعم القطاعين الصناعي والزراعي في لبنان، كما سيفتح الباب أمام تصدير المنتجات عبر البر، الأمر الذي سيخفض الكلفة على المصدرين اللبنانيين.
أما بالنسبة إلى الشق المعنوي، فأوضح غبريل أن الأسباب التي دفعت المملكة العربية السعودية إلى فرض الحظر على الصادرات اللبنانية كانت مرتبطة بعمليات تهريب ممنهجة لمادة الكابتاغون الممنوعة إلى المملكة، عبر سوريا وبالتعاون مع النظام السوري السابق.
وأضاف أن السلطات اللبنانية، وخصوصاً بعد انتخاب رئيس الجمهورية جوزاف عون وتشكيل الحكومة الحالية برئاسة القاضي نواف سلام، باشرت مكافحة هذه الآفة، وشهد اللبنانيون عمليات مداهمة نفذتها القوى الأمنية أدت إلى إقفال مصانع للكابتاغون، ومصادرة كميات كبيرة من المواد الممنوعة، وتوقيف عصابات تهريب.
وأشار إلى أن المملكة العربية السعودية كانت تتابع هذه الإجراءات، وقد تلقت تطمينات كافية من السلطات اللبنانية بأن لبنان لن يُستخدم مجدداً مصدراً لتهريب الكابتاغون أو أي مواد ممنوعة إلى المملكة. ومن هذا المنطلق، تم رفع الحظر، وهو ما يعكس اقتناع المملكة بأن السلطات اللبنانية تتخذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرار ما كان يحدث في الماضي.
وأضاف أن هناك جانباً معنوياً إضافياً يتمثل في أن قرار رفع الحظر، وإن كان مرتبطاً بإجراءات عملية على الأرض، إلا أنه يحمل أيضاً أبعاداً سياسية، ويعكس الجهود التي بذلها رئيس الجمهورية جوزاف عون، إلى جانب تفهم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لواقع لبنان وظروفه، بما يخدم مصلحة الطرفين، وبشكل خاص مصلحة لبنان وصورته الخارجية.
ورأى غبريل أن هذا التطور يشير إلى عودة لبنان تدريجياً إلى محيطه العربي الطبيعي، بعد سنوات من العزلة عن هذا المحيط.
كما اعتبر أن رفع الحظر يشكل إحدى النتائج الملموسة لمسار ترميم العلاقات بين لبنان والمملكة العربية السعودية. وأوضح أن العلاقات بين الشعبين لم تنقطع يوماً، وحتى العلاقات الرسمية بين الدولتين لم تنقطع بالكامل، إلا أن لبنان مرّ بفترة من العزلة عن محيطه العربي، واستُخدم خلالها، بحسب تعبيره، ليس فقط منصة لتصدير الممنوعات إلى المملكة، بل أيضاً قاعدة لمهاجمة المملكة إعلامياً.
وأكد أن هذه المرحلة انتهت، وأن الدولة اللبنانية تسير اليوم في الاتجاه الصحيح، الأمر الذي بدأت المملكة العربية السعودية، بصفتها في طليعة الدول العربية، بإظهار نتائجه عملياً.
ووصف غبريل القرار بأنه "صدمة إيجابية" للبنان، لافتاً إلى أن البلاد بحاجة إلى مثل هذه التطورات الإيجابية في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها. وأشار إلى أن لبنان دخل شهره الرابع والثلاثين من تداعيات الحرب، وأنه خلال 32 شهراً كان لبنان في حالة حرب لنحو 53% من هذه الفترة، مضيفاً أن الحرب الحالية تُعد من أكثر الحروب تدميراً مقارنة بالحروب السابقة.
وقال إن لبنان، كاقتصاد وشعب، يحتاج إلى صدمات إيجابية تعيد بناء الثقة، معتبراً أن قرار رفع الحظر السعودي يشكل إحدى هذه الصدمات الإيجابية التي سيكون لها أثر على الثقة بالاقتصاد اللبناني.
وأضاف أن التداعيات الاقتصادية ستظهر تدريجياً، إلا أن المصدرين اللبنانيين، سواء كانوا صناعيين أم مزارعين، لا يحتاجون إلى وقت طويل للاستعداد لاستئناف التصدير إلى المملكة، نظراً إلى امتلاكهم خبرة واسعة في هذا المجال، فضلاً عن جاهزية منتجاتهم.
وأوضح أنه إذا اعتمدنا رقم عام 2019، حين بلغت الصادرات اللبنانية إلى المملكة 246 مليون دولار، فإن ذلك يكتسب أهمية إضافية عند مقارنته بأرقام عام 2025، حيث بلغت صادرات لبنان الإجمالية 3 مليارات و640 مليون دولار، فيما وصلت فاتورة الاستيراد إلى نحو 21 مليار دولار، ما أدى إلى تسجيل عجز في الميزان التجاري بلغ نحو 17 مليار دولار.
وأكد أن زيادة الصادرات اللبنانية، سواء إلى المملكة العربية السعودية أو إلى بقية دول الخليج العربي، ستؤدي إلى ارتفاع إجمالي الصادرات اللبنانية، وبالتالي المساهمة في تقليص العجز في الميزان التجاري، وهو ما سينعكس إيجاباً على العجز في الحساب الخارجي للبنان.
وأضاف أنه في حال أعاد المصدرون اللبنانيون إيرادات صادراتهم إلى الداخل اللبناني، فإن ذلك سيؤدي إلى دخول عملات أجنبية إلى المصارف اللبنانية، الأمر الذي يساهم في تعزيز السيولة لدى القطاع المصرفي ولدى مصرف لبنان.
وشدد غبريل على أن التداعيات الاقتصادية لهذا القرار متعددة ومتشعبة، إلا أن الإيجابيات المعنوية تبقى، برأيه، بالقدر نفسه من الأهمية. وأكد ضرورة استمرار السلطات اللبنانية في مساعيها مع المملكة العربية السعودية من أجل رفع الحظر عن سفر المواطنين السعوديين إلى لبنان. وأوضح أن اللبنانيين يتفهمون أسباب الحظر الذي فُرض سابقاً على الصادرات اللبنانية، كما يتفهمون أسباب الحظر على سفر المواطنين السعوديين إلى لبنان، لأن المملكة، في نهاية المطاف، كانت تسعى إلى حماية شعبها من الممنوعات ومن تداعيات الحرب في لبنان.
وأشار إلى أن الأوضاع تغيرت اليوم، وأن السلطات السعودية تراقب التطورات في لبنان، كما يراقب المجتمع الدولي مسار الدولة اللبنانية نحو تعزيز دولة القانون وترسيخ سلطة مركزية تبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وقد أعلنت رسمياً احتكار قرار السلم والحرب وحصر السلاح بيد الدولة والعمل على إعادة الاستقرار إلى البلاد.
واعتبر أن التداعيات الإيجابية لهذا القرار ستستمر، معرباً عن ثقته بأن السلطات اللبنانية ستواصل جهودها لإقناع المملكة بالسماح لمواطنيها بالعودة إلى زيارة لبنان.
إلا أنه أشار إلى أن لبنان لا يزال يعيش في ظل ظروف أمنية صعبة وحالة حرب، وبالتالي لا يمكن توقع رفع الحظر عن سفر السعوديين بشكل سريع. وذكّر بأن العديد من الدول التي كان لديها عدد كبير من مواطنيها في لبنان أصدرت، مع بداية الحرب، بيانات تحذيرية دعت فيها مواطنيها إلى مغادرة لبنان وتأجيل السفر إليه.
وأكد أن من الطبيعي ألا يُرفع الحظر على سفر السعوديين فوراً، لكنه شدد على أن اللبنانيين يدركون مدى شوق أشقائهم في المملكة العربية السعودية إلى العودة إلى لبنان بعد سنوات من الانقطاع القسري الذي فرضته الظروف الأمنية والسياسية في البلاد، وليس لأسباب أخرى.
وأضاف غبريل أن هذا القرار، برأيه، يشكل الخطوة الأولى وليس قراراً منفرداً، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة صدور قرارات أخرى تدريجية تصب في مصلحة لبنان.
وأشار إلى أن المملكة العربية السعودية كانت دائماً إلى جانب لبنان وشعبه، ولم تتخلَّ عنه في مختلف الظروف. ولفت إلى احتضان المملكة لمئات الآلاف من اللبنانيين على مدى عقود، الأمر الذي أسهم في دعم الاقتصاد اللبناني وتعزيز استقراره من خلال مساهمات اللبنانيين العاملين هناك وتحويلاتهم المالية.
وأكد أن السلطات السعودية كانت تميّز دائماً بين الشعب اللبناني، الذي يكنّ كل الاحترام والمودة والمحبة لإخوانه في المملكة العربية السعودية وللشعب السعودي، وبين بعض الجهات اللبنانية التي، بحسب تعبيره، جعلت من لبنان رهينة لمشاريع إقليمية، واستعملته منصة لصراعات وحروب لا تعبّر عن إرادة الشعب اللبناني ولا عن توجهات الدولة اللبنانية.
وأضاف أن لبنان تجاوز هذه المرحلة مبدئياً، وهو يسير اليوم في الاتجاه الصحيح، فيما تعمل السلطات اللبنانية على إعادة لبنان إلى محيطه العربي الطبيعي وتعزيز علاقاته مع الدول العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي.
وأوضح غبريل أن المملكة العربية السعودية تُعد أكبر اقتصاد عربي، كما أنها من بين أكبر عشرين اقتصاداً في العالم. وبالتالي، عندما تتخذ السلطات السعودية قراراً إيجابياً، سواء برفع الحظر عن الصادرات اللبنانية أو عبر أي خطوة أخرى تصب في مصلحة البلدين، ولا سيما مصلحة لبنان، فإن ذلك يبعث برسائل ثقة إلى دول أخرى في المنطقة، وقد يشجعها على اتخاذ إجراءات مماثلة تجاه لبنان.
وفي هذا الإطار، أشار إلى وجود مجموعة من الاتفاقيات التجارية والاستثمارية والصناعية بين لبنان والمملكة العربية السعودية لا تزال بانتظار التوقيع النهائي منذ عام 2017 حتى تدخل حيّز التنفيذ. ولفت إلى أن المملكة كانت تنتظر تحسن الأوضاع في لبنان قبل المضي قدماً في هذه الاتفاقيات.
وأوضح أن عدد هذه الاتفاقيات يتراوح بين 20 و21 اتفاقية، معتبراً أنها تشكل فرصة مهمة للبنان، نظراً إلى أنها تُبرم مع أكبر اقتصاد في العالم العربي وأحد أكبر الاقتصادات العالمية.
ولفت غبريل إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيداً من الخطوات الإيجابية في هذا المسار، بعد طول انتظار، بما يعزز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين لبنان والمملكة العربية السعودية، ويدعم جهود النهوض بالاقتصاد اللبناني واستعادة الثقة به عربياً ودولياً.
في المحصلة، يمثل قرار إعادة فتح السوق السعودية أمام الصادرات اللبنانية خطوة مهمة تعطي دفعة للاقتصاد اللبناني وتعيد الزخم إلى العلاقات بين بيروت والرياض. كما يفتح هذا التطور الباب أمام مرحلة جديدة من الانفتاح العربي تجاه لبنان في المرحلة المقبلة. ويبقى السؤال: هل سيتبع هذا المسار خطوات عربية إضافية تعزز مسيرة التعافي الاقتصادي واستعادة الثقة بلبنان؟