June 11, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

البروفيسور حسن أحمد سرور: نحن أمام اقتصاد هش منذ الـ 2019.. إما إصلاح جذري أو استمرار الانحدار

في لبنان، لم تعد الأزمة الاقتصادية مجرد عنوان عابر في نشرات الأخبار، بل أصبحت واقعا يوميا يضغط على الدولة والمجتمع معا. فبين تراجع الإيرادات، وانكماش النشاط الاقتصادي، واهتزاز الاستقرار المالي، تتكشف صورة اقتصاد يزداد هشاشة مع مرور الوقت. ومع تراكم الأزمات وتداخل العوامل الداخلية والخارجية، يطرح المشهد الراهن سؤالا جوهريا حول قدرة البلاد على وقف الانهيار والانتقال إلى مرحلة التعافي الحقيقي، في ظل تحديات تبدو أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.

في هذا السياق، قدّم البروفيسور حسن أحمد سرور قراءة شاملة للأزمة المالية والاقتصادية في لبنان، واضعا إياها في إطارها البنيوي والتاريخي، ومسلطا الضوء على مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي ساهمت في تعميقها وتفاقم تداعياتها.


ومن هذا المنطلق، أوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الأزمة المالية في لبنان هي أزمة مزمنة وليست طارئة أو مرتبطة بحدث معين، بل هي نتيجة سياسات مالية واقتصادية استمرت على مدى ثلاثة عقود، وصولا إلى ما حصل في تشرين 2019، لافتا إلى أن تداعيات الحرب على مستوى الخسائر الاقتصادية والمالية يمكن أن تزيد الأمور تعقيدا، سواء من حيث الخسائر المباشرة التي تقدر بنحو 35 مليون دولار يوميا، أو غير المباشرة التي تقدر بنحو 40 مليون دولار يوميا. ويترافق ذلك مع تراجع الاستهلاك، وترقب الاستثمار، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، وهي عوامل من شأنها تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان.


وأشار سرور إلى أن تراجع احتياطيات مصرف لبنان بنحو نصف مليار دولار خلال شهر ونصف من الحرب قد يعمق الأزمة. وقال: نحن نعيش في اقتصاد هش منذ العام 2019، ومنذ العام 2023 نعيش حالة من الاستقرار النقدي الوهمي، إذ إن الاقتصاد لم يتعاف، كما أن الوضع المالي والنقدي لم يعد إلى ما يجب أن يكون عليه، بسبب أزمة المصارف وعدم إعادة أموال المودعين.


واعتبر أن الضربة التي تلقاها المودعون في أزمة العام 2019 كانت كارثية على الاقتصاد وعلى أصحاب الودائع، وكذلك على حجم الطلب والاستثمار في مختلف المجالات، مؤكدا أن أزمة المصارف تُعد من أهم القضايا التي يجب الوقوف عندها، والتعاطي معها بروح إيجابية من خلال تحديد المسؤوليات، وتقسيم الخسائر، وتحمل الدولة لمسؤولياتها، إضافة إلى استعداد المصارف لدفع جزء من أرباحها وتحويلاتها إلى الخارج، بهدف إعادة انتظام الوضع المصرفي. إذ لا يمكن أن يكون هناك اقتصاد سليم ومعافى أو أي عملية إنعاش اقتصادي دون وجود قطاع مصرفي قوي وقادر على تلبية متطلبات الاستهلاك والاستثمار على حد سواء.


ولفت سرور إلى أن تراجع الإيرادات اليوم، بحسب الأرقام المتوافرة، يتراوح بين 30% و35%، وقد تزيد هذه النسبة أو تنخفض، لكنها ترتبط أساسا بضعف النظام الضريبي وسوء الجباية وارتفاع معدلات التهرب الضريبي، لا سيما لدى الشركات الكبرى، مؤكدا أن معالجة الأزمة المالية في لبنان لا يمكن فصلها عن الواقع الإقليمي والاقتصادي، إذ هناك ترابط وثيق بين الأوضاع الاقتصادية والمالية في لبنان وبين واقع المنطقة وحالة الاستقرار التي يُؤمل أن تتحقق قريبا.


وفي ما يتعلق بتداعيات الحرب، أشار إلى أن الحديث عن الواقع الاقتصادي في لبنان يجب أن ينطلق من تأثير التطورات الإقليمية والدولية، بما في ذلك التوترات الكبرى التي انعكست على الاقتصاد العالمي، والتي لم يكن لبنان بمنأى عنها، خصوصا في ظل ما شهدته منطقة الخليج من اضطرابات وإغلاق جزئي أو كلي لمضيق هرمز، ما أثر بشكل مباشر على المالية العامة والاقتصاد اللبناني. وقال: على المستوى الدولي، أدت هذه التطورات إلى توقف جزء كبير من عمليات تصدير النفط من الخليج، مع فقدان نحو 20 مليون برميل يوميا من الأسواق العالمية، وارتفاع تكاليف الشحن بنسبة وصلت إلى 300%، إضافة إلى ارتفاع كبير في تكاليف التأمين. كما شهدت الأسواق العالمية اضطرابا واسعا، وارتفاعا في أسعار الغاز، وزيادة في معدلات التضخم في معظم دول العالم، ومنها لبنان.


أضاف سرور: كما توقفت صادرات مواد أساسية، مثل اليوريا (بنسبة تتراوح بين 25% و30% من الإنتاج العالمي) والنيتروجين (حوالي 30%)، إضافة إلى الهيليوم والأسمدة الزراعية، ما يعني أن التداعيات لن تقتصر على المدى القصير، بل ستمتد إلى المدى المتوسط. أما على مستوى لبنان، فقد تأثرت قطاعات عدة بشكل كبير، أبرزها القطاع الزراعي، حيث خرج نحو 52 ألف هكتار و6500 مزارع من دورة الإنتاج، ما يشكل ضربة قاسية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. كما تلقى القطاع السياحي ضربات كبيرة نتيجة تراجع الاستقرار الأمني، فيما لا يزال القطاع المصرفي في حالة شلل منذ العام 2019.


وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تفرض إعادة النظر في جوهر السياسات الاقتصادية والمالية في لبنان، واعتماد مقاربات مختلفة لمعالجة الأوضاع، خصوصا من خلال تنشيط القطاعات الإنتاجية، معتبرا أنه من غير المقبول استمرار نموذج اقتصادي يعتمد على الاستيراد بشكل مفرط، حيث بلغت الواردات نحو 22 مليار دولار في العام 2025، مقابل صادرات لا تتجاوز 4.7 مليار دولار، ما يؤدي إلى عجز هائل في الميزان التجاري يضغط على ميزان المدفوعات والوضع المالي.


كما شدد سرور على أنه لا يمكن الاستمرار في نظام ضريبي متخلف، أو القبول باستمرار التهرب الضريبي بنسب مرتفعة، وهو ما يفسر جزئيا تراجع الإيرادات. وقال إنه لا يمكن القبول باستمرار الهدر في مرافق الدولة، وعلى رأسها مرفأ بيروت، الذي لا تتناسب إيراداته مع حجم النشاط التجاري الذي يمر عبره، فضلا عن استمرار الهدر وسوء الاستثمار في الممتلكات العامة البحرية والنهرية. كما لا يمكن القبول بأنظمة توظيف وتقاعد مهترئة وغير عادلة، تُدار وفق اعتبارات غير شفافة.


وأكد أن كل هذه الملفات يجب أن تكون على طاولة المعالجة في المرحلة المقبلة، إذا كان هناك نية فعلية للخروج من الأزمة الاقتصادية أولا، ومن ثم الأزمة المالية، مشددا على ضرورة بناء نظام سياسي لا يقوم على المحسوبيات، بل على الكفاءة، بحيث يُختار الأكفأ على المستويات السياسية والاقتصادية والإدارية، مع وجود مؤسسات تدار بشفافية كاملة وتخضع لمحاسبة فعلية.


في النهاية، يضع هذا الواقع لبنان أمام لحظة مفصلية لا تحتمل المزيد من التأجيل أو المعالجات الجزئية. فالأزمة التي تراكمت على مدى سنوات، وتفاقمت بفعل العوامل الاقتصادية والمالية والسياسية والإقليمية، لم تعد أزمة عابرة بل بنية مختلة تحتاج إلى إعادة تأسيس شاملة. وأمام هذا المشهد المعقد، تبدو الخيارات واضحة وصعبة في آن: إما الذهاب نحو إصلاحات جذرية تعيد بناء الثقة وتضع الاقتصاد على مسار التعافي الحقيقي، أو الاستمرار في إدارة الانحدار بكلفته المتزايدة على الدولة والمجتمع معا.