بعد إعلان وزارة الأشغال العامة والنقل المضي في إعادة تشغيل مطار القليعات، وبدء الحكومة اللبنانية اتخاذ خطوات فعلية في هذا الملف، عاد الحديث مجددًا عن موقع الشمال على الخارطة الاقتصادية واللوجستية للبنان، خصوصًا في ظل الربط المتزايد بين المطار والمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس ومرفأ المدينة.
ومع انطلاق هذه التحركات، يرى مراقبون أن هذا الطرح قد يوازيه مشروع إنمائي متكامل يؤدي إلى تنشيط المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، وتعزيز حركة التجارة والاستثمار، خاصةً أنّ المنطقة تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي.
فهل تُترجم هذه المشاريع فعليًا على الأرض بما يُحدث نقلة نوعية في الشمال، أم تبقى ضمن إطار الطروحات والخطط غير المنفذة؟
في هذا الإطار، أكد رجل الأعمال سامر كبارة أن هناك اليوم توجهًا أكثر جدية من السابق لربط مطار القليعات بالمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس ضمن خطة متكاملة لإنماء الشمال، خصوصًا بعد التحركات الحكومية الأخيرة وطرح تشغيل المطار للأغراض المدنية والشحن.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن الحديث لم يعد يقتصر على تشغيل مطار فحسب، بل يتعداه إلى إنشاء منصة لوجستية متكاملة تربط مطار القليعات بمرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة، وصولًا إلى الحدود السورية مستقبلًا، ضمن شراكة بين القطاعين العام والخاص.
ولفت كبّارة إلى أن البحث يجري أيضًا في إعادة إحياء شبكة السكك الحديدية التي تصل المطار بمرفأ طرابلس مرورًا بالعبودية وصولًا إلى حمص وحلب، ما يفتح المجال أمام ربط لبنان بالممرات التجارية الإقليمية المؤدية إلى الأردن وتركيا وأوروبا ودول الخليج العربي ضمن شبكة نقل وتجارة حديثة.
وتحدّث عن دراسات ومشاورات تقنية وإدارية تُبحث حاليًا، على أن يشهد الشهر المقبل خطوات إضافية مرتبطة بالملفات التنفيذية والبنية التحتية والنقل، مشيرًا إلى متابعته المباشرة لهذا الملف مع وزير الأشغال العامة والنقل، ومدير عام النقل البري والبحري، ورئيس الحكومة نواف سلام.
واعتبر كبّارة أنّ هذا المشروع، في حال تنفيذه، يمكن أن يضع طرابلس في صلب الخارطة الاقتصادية واللوجستية الإقليمية، ويفتح الباب أمام استثمارات وفرص عمل واسعة، خصوصًا في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والصناعة والتخزين وإعادة التصدير.
ورأى كبّارة أن المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس يمكن أن تستفيد بشكل كبير من تشغيل مطار القليعات، باعتبار أنّ أي منطقة اقتصادية ناجحة تحتاج إلى بنية نقل متكاملة تشمل المرفأ والمطار والطرق والخدمات اللوجستية، ما يعزز قدرة طرابلس على جذب الاستثمارات الصناعية والتجارية وشركات الشحن والتخزين، لا سيما في ظل الموقع الجغرافي الاستراتيجي للشمال وقربه من الحدود السورية والأسواق العربية.
وأضاف أن هذا التكامل يمنح طرابلس أفضلية تنافسية على مستوى شرق المتوسط، ويؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا للخدمات اللوجستية والتجارة والصناعات الخفيفة، خصوصًا أنّ الشمال يمتلك مقومات استراتيجية عدة، أبرزها مرفأ طرابلس، والمنطقة الاقتصادية الخاصة، ومطار القليعات، ومنشآت النفط والغاز التابعة لـ IPC، ومعرض معرض رشيد كرامي الدولي.
وأكّد كبّارة أنّ ما أعاق تنفيذ هذا المشروع طوال السنوات الماضية لم يكن غياب المقومات، بل غياب التنفيذ والإرادة السياسية، إضافة إلى الإهمال الإنمائي وضعف الاستثمار في البنى التحتية، مشيرًا إلى أن طرابلس والشمال عانيا لسنوات طويلة من غياب العدالة الإنمائية رغم امتلاكهما إمكانات اقتصادية واستراتيجية كبيرة.
وأوضح أن التطورات الإقليمية الأخيرة، خصوصًا في سوريا، تفتح أمام لبنان وطرابلس فرصة لإعادة التموضع على خارطة التجارة والنقل الإقليمي، في ظل إعادة رسم الممرات الاقتصادية واللوجستية في المنطقة بعد التحولات الجيوسياسية الأخيرة، مشيرًا إلى وجود اهتمام كبير وجدّي بهذا الموضوع من قبل رئيس الحكومة نواف سلام.
ولفت إلى اجتماع جمعه مؤخرًا مع رئيس الحكومة نواف سلام وعدد من رجال الأعمال الطرابلسيين، جرى خلاله عرض مشروع مؤتمر "إنماء طرابلس – رؤية 2035"، ليكون منصة وطنية واستثمارية تجمع الوزارات والإدارات الرسمية والصناديق الاستثمارية والجهات المانحة ودول أصدقاء لبنان، بهدف إطلاق المشاريع الكبرى في الشمال ضمن رؤية اقتصادية متكاملة.
وأشار إلى أنّ المؤتمر المقترح سيترافق مع العمل على المراسيم والقوانين والإصلاحات المطلوبة لتسهيل تنفيذ هذه المشاريع وتأمين الحوكمة الحديثة لها، بما يعكس، وفق تعبيره، "عودة طرابلس إلى دورها الطبيعي كمركز اقتصادي واستثماري للبنان والمنطقة".
في المحصلة، تبقى طرابلس بانتظار ما ستؤول إليه هذه الطروحات، في منطقة أنهكها الإهمال وأتعبتها الوعود، ما يجعل أي مسار تنموي مرهونًا بمدى الجدية الفعلية للانتقال من الوعود إلى التنفيذ الفعلي على الأرض.