يخوض القطاع السياحي في لبنان اليوم واحدة من أصعب معارك البقاء في تاريخه، في ظل مشهد اقتصادي وأمني يزداد تعقيدا يوما بعد يوم. فموسم الصيف وعيد الأضحى، اللذان شكلا على مدى سنوات "الرافعة المالية" وأمل اللبنانيين بضخ الأوكسجين و"الفريش دولار" في الدورة الاقتصادية، باتا اليوم في دائرة الخطر الفعلي.
فبين حجوزات خجولة، وتراجع مقلق في أعداد الوافدين، وخسائر تثقل كاهل أصحاب الفنادق والمطاعم، ترتفع صرخة القطاع الخاص محذرة من موسم قد يكون من الأصعب منذ سنوات. والمفارقة هذا العام أن المغترب اللبناني، الذي لطالما شكل "حبل الإنقاذ" للاقتصاد والسياحة، بات بدوره يحسب خطواته أكثر من أي وقت مضى قبل حجز تذكرته إلى لبنان، في ظل القلق الأمني واستمرار حالة عدم الاستقرار.
وفي ظل هذا المشهد الضاغط، يفرض السؤال نفسه بقوة: هل بات صيف لبنان فعلا في خطر؟
وفي هذا السياق، صرح وزير السياحة السابق أفيديس كيدانيان بأن القطاع السياحي في لبنان يمر بمرحلة صعبة للغاية، واصفا الوضع بأنه متدهور بشكل كبير، في ظل ضعف ملحوظ في الحجوزات وتراجع الحركة السياحية خلال الفترة الحالية.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن نسبة إشغال الفنادق في بيروت لا تتجاوز نحو 10%، فيما تبدو الأوضاع أكثر صعوبة خارج العاصمة، لافتا إلى أن قطاع المطاعم يشهد حالة ركود واضحة ويعتمد بشكل أساسي على الزبائن المحليين، في ظل غياب شبه تام للسياح وتراجع التدفق الخارجي.
وأوضح كيدانيان أن الأزمة الاقتصادية انعكست بشكل مباشر على القدرة الشرائية للبنانيين، ما أثر سلبا على حركة المطاعم والقطاع السياحي عموما، حتى على مستوى السياحة الداخلية، متوقعا، مع اقتراب عيد الأضحى، أن يقتصر النشاط السياحي على زيارات محدودة من المغتربين ولفترات قصيرة، من دون أن يشكل ذلك انتعاشا فعليا للحركة السياحية.
ولفت إلى أن تراجع أعداد الوافدين يحرم الاقتصاد اللبناني من مداخيل أساسية، مشيرا إلى أن متوسط إنفاق السائح خلال فترة إقامته كان يقدر سابقا بين 2000 و3000 دولار، وهو ما كان يساهم مباشرة في دعم الدورة الاقتصادية المحلية، إلا أن هذا المورد يشهد اليوم تراجعا كبيرا.
وعن قدرة القطاع السياحي على الصمود، رأى كيدانيان أن القطاع لم يعد قادرا على الاستمرار بالوتيرة نفسها في ظل الظروف الحالية، متحدثا عن معلومات تفيد بأن عددا من المؤسسات السياحية يحاول الحفاظ على استمراريته عبر خفض النفقات وتقليص المصاريف التشغيلية للتكيف مع الأزمة الراهنة.
وقال إنه إذا استمر الوضع على حاله خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة المقبلة، فمن المتوقع أن يشهد القطاع إقفال عدد من المؤسسات السياحية، موضحا أن المؤسسات الكبرى والعريقة التي تمتلك خبرة طويلة قد تكون أكثر قدرة على التحمل والتكيف، فيما تبقى المؤسسات الصغيرة، لا سيما المطاعم الناشئة Startups الأكثر عرضة للإقفال الموقت أو الدائم.
وأشار كيدانيان إلى أن هذا الواقع بات ملموسا بشكل واضح داخل القطاع السياحي في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، مؤكدا، في السياق نفسه، أن الوضع الأمني كان له تأثير مباشر على حركة الحجوزات. وتحدث عن معلومات تشير إلى أن عدد الوافدين إلى لبنان خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي سجل تراجعا يقدر بين 60 و65% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وأوضح أن هذا الانخفاض لا يقتصر على السياح فقط، بل يشمل أيضا اللبنانيين والمغتربين وحتى المسافرين العابرين "الترانزيت" الذين كانوا يمرون عبر لبنان نحو دول أخرى. وقال إن هذا التراجع انعكس بشكل مباشر على مختلف القطاعات المرتبطة بالسياحة، من حجوزات الفنادق وشركات تأجير السيارات إلى المطاعم والمرشدين السياحيين، إضافة إلى قطاع الشقق المفروشة والمنصات مثل Airbnb، مشيرا إلى أن آثار هذا التراجع تمتد على المدى الطويل، خصوصا وأن القطاع خرج أساسا من ظروف أمنية غير مستقرة، ما يزيد من صعوبة تعافي المؤسسات السياحية وقدرتها على الصمود.
وفي ما يتعلق بالمغترب اللبناني، اعتبر كيدانيان أن المغترب يشكل الرافعة الأساسية للاقتصاد اللبناني، باعتباره المصدر الأبرز للعملة الصعبة، سواء من خلال تحويلاته المالية إلى عائلاته وأقاربه أو عبر زياراته السياحية إلى لبنان خلال فترات الإجازة، مشيرا إلى أن هذين المسارين يتأثران بشكل مباشر بالتطورات الإقليمية والدولية. ولفت إلى أن جزءا كبيرا من الاغتراب اللبناني يتمركز في دول الخليج، حيث إن أي اضطرابات أو تراجع اقتصادي في تلك الدول ينعكس مباشرة على أوضاع اللبنانيين العاملين فيها، وبالتالي على حجم التحويلات المالية إلى لبنان.
وأكد أن الاقتصاد اللبناني يعتمد بشكل أساسي على التحويلات الخارجية والسياحة والاغتراب، ما يجعل أي تراجع في حركة المغتربين بمثابة ضربة مباشرة للاقتصاد الوطني، موضحا أن المغتربين الذين يزورون لبنان حاليا يميلون إلى تقصير مدة إقامتهم بسبب المخاوف المرتبطة بالأوضاع الأمنية واحتمالات التصعيد في المنطقة. وأشار إلى أن أي اتفاقات أو تسويات إقليمية قد تسهم في تهدئة الأوضاع وزيادة حركة الوافدين إلى لبنان.
كما تطرق كيدانيان إلى مطار القليعات، مشيرا إلى طرح عروض وإجراءات لإعادة تشغيله. واعتبر أنه يشكل منفذا أساسيا من شأنه أن يخفف من مخاوف المسافرين في حال واجهوا صعوبات في مغادرة لبنان بعد وصولهم إليه.
وقال إن إعادة تشغيل المطار تحتاج إلى بضعة أشهر ليصبح جاهزا لاستقبال الطائرات، إلا أن هذه الخطوة تعد إيجابية في إطار تطوير قطاع النقل الجوي وتعزيز إمكان امتلاك لبنان لمطارين عاملين.
وعن موقع لبنان على الخارطة السياحية الإقليمية، شدد كيدانيان على أن لبنان لا يزال يحتفظ بمكانته الخاصة، ويملك كل المقومات التي تؤهله ليكون من أبرز الوجهات السياحية في المنطقة، موضحا أن العائق الأساسي أمام تطور القطاع يتمثل في غياب الاستقرار الأمني والهشاشة السياسية. وأكد أنه في حال تجاوز هذا العامل، فإن لبنان يبقى من أبرز المنافسين في القطاع السياحي الإقليمي.
وقال إن لبنان يتمتع بمناخ معتدل وقطاع ضيافة متنوع، إلى جانب تنوع المطاعم والفنادق وتوافر الخدمات السياحية بمستوى متقدم، معتبرا أن القطاع السياحي اللبناني لا يمكن أن يفقد مقوماته الأساسية، إلا أن استمرار الأوضاع الأمنية غير المستقرة يعرقل عملية التطوير والاستفادة الكاملة من هذه الإمكانات.
وعن مدى احتفاظ لبنان بالمقومات التي تجذب السائح العربي والأجنبي، أكد كيدانيان أن صورة لبنان السياحية تأثرت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، ما يستدعي فترة لإعادة ترميم هذه الصورة واستعادة الثقة، مشيرا إلى أنه بمجرد استقرار الوضع الأمني، فإن السائح الخليجي والأوروبي لن ينسى لبنان. واعتبر أن البلاد لا تزال حاضرة في الذاكرة السياحية لهذه الفئات.
وأوضح أن استعادة الحركة السياحية تحتاج إلى جهود ترويجية ولو محدودة ترتكز على إبراز الاستقرار الأمني، إلا أن استعادة الثقة تختلف بين الأسواق، إذ إن دول الخليج قد تستجيب بشكل أسرع، بينما تحتاج الأسواق الأوروبية والغربية إلى وقت أطول لإعادة تكوين صورة مستقرة عن لبنان، مقدرا أن هذه العملية قد تستغرق بين سنة وسنتين، مع اعتماد القطاع في المرحلة الأولى على السائح العربي، لا سيما من الخليج ومصر والأردن والعراق، إضافة إلى احتمال عودة تدريجية للأسواق الخليجية، مثل الإمارات والسعودية والكويت، في حال تحسنت الظروف.
وقال كيدانيان إن السائح الأوروبي والغربي يحتاج إلى وقت أطول لتجاوز الصورة الذهنية المرتبطة بالاضطرابات السابقة، خصوصا وأنه يعتمد على التخطيط المسبق للسفر، ما يتطلب حضورا فاعلا للبنان في المعارض والمحافل السياحية الدولية، إلى جانب حملات ترويجية مدروسة، مؤكدا أن لبنان قادر على استعادة موقعه السياحي على الرغم من التحديات، شرط توفر الاستقرار الأمني والعمل المنهجي على إعادة تقديمه كوجهة آمنة وجاذبة. واعتبر أن الأمر سيكون صعبا جدا في حال استمرار الظروف الحالية.
وشدد على أن المطلوب اليوم يتمثل في التوصل إلى وقف كامل وشامل لإطلاق النار وتحقيق استقرار أمني بأسرع وقت، مؤكدا أن أي حديث عن إنقاذ الموسم السياحي يبقى غير واقعي من دون ذلك.
وأشار كيدانيان إلى أن القطاع السياحي يعد من أكثر القطاعات هشاشة وتأثرا بأي خلل أمني، آملا في أن تستقر الأوضاع قريبا لتتمكن السياحة من استعادة نشاطها تدريجيا.
وأوضح أن الأزمة الاقتصادية الحادة، إلى جانب غياب السيولة وضعف الحركة المالية داخل البلاد، تزيد الضغوط على أصحاب المؤسسات السياحية، ما قد يدفع بعضهم إلى اتخاذ قرارات صعبة على مستوى التشغيل والموظفين، لافتا إلى أن قطاع المطاعم وحده يؤمن فرص عمل لنحو 150 ألف شخص، ما يعني أن أي تراجع فيه ينعكس مباشرة على عشرات آلاف العائلات اللبنانية.
وقال كيدانيان إن الأزمة تطال أيضا الفنادق وشركات تأجير السيارات التي تواجه تراجعا كبيرا في الطلب، ما يؤدي إلى بقاء السيارات من دون تشغيل لفترات طويلة وانخفاض مردودها وقيمتها التشغيلية، مشيرا إلى أن الأدلاء السياحيين من بين الفئات الأكثر تضررا، نظرا لاعتماد عملهم بشكل أساسي على السائح الأجنبي، في ظل التراجع الحاد في أعداد الزوار.
وأكّد أنه لا يميل عادة إلى النظرة السلبية، إلا أن الواقع الحالي، اقتصاديا وأمنيا وسياسيا، يجعل الوضع السياحي في لبنان بالغ الصعوبة ولا يحسد عليه.
وبناء على ذلك، يبدو أن "موسم صيف لبنان" الذي كان ينتظر بلهفة قد دخل فعليا دائرة الخطر. فالحرب لم تقتصر تداعياتها على الحجر والبشر، بل أصابت الموسم السياحي في الصميم، لتطيح بالصيف اللبناني وتضعه أمام واقع بالغ القسوة.