يتجدد الحديث في لبنان حول احتمال إصدار فئات نقدية كبيرة قد تصل إلى 500 ألف ومليون ومليوني وحتى خمسة ملايين ليرة، في ظل الانهيار الحاد الذي تشهده قيمة العملة الوطنية خلال السنوات الأخيرة. ومع التراجع الكبير في القدرة الشرائية، باتت ورقة الـ 100 ألف ليرة، وهي الأعلى حاليا، غير كافية لتغطية أبسط الاحتياجات اليومية، ما اضطر المواطنين إلى حمل كميات كبيرة من الأوراق النقدية لإنجاز معاملات بسيطة، الأمر الذي زاد من تعقيدات التداول النقدي.
وانطلاقا من هذا الواقع، برزت الحاجة إلى إعادة النظر في هيكل الفئات النقدية بما يتلاءم مع المستجدات الاقتصادية الراهنة. وبناء عليه، أقر مجلس النواب في نيسان 2025 قانونا يتيح إصدار فئات نقدية جديدة، قبل أن يُوسع لاحقا ليشمل فئة الـ 5 ملايين ليرة، ما دفع مصرف لبنان إلى دراسة خيار طباعة فئات أكبر بما يسهل التعاملات اليومية ويخفف الضغط النقدي في السوق.
ومن هذا المنطلق، قالت الكاتبة والباحثة الاقتصادية والمالية محاسن مرسل إن الحديث عن إصدار عملة جديدة أو فئات نقدية أكبر ليس جديدا، بل هو نتيجة تعديل قانون أقر في نيسان من العام الماضي، سمح بتكبير حجم الفئات النقدية من حيث الأرقام، موضحة أنه كان لدى لبنان سابقا فقط فئة الـ 100 ألف ليرة كأعلى إصدار نقدي، في حين يُحكى اليوم عن فئات أكبر بكثير، بين 500 ألف ومليون ليرة.
وقالت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن هذه الخطوة جاءت متأخرة، نتيجة الانهيار الكبير في قيمة الليرة اللبنانية، وما رافقه من ارتفاع حاد في الأسعار، بحيث بات المواطن بحاجة إلى حمل كميات كبيرة من الأوراق النقدية لشراء حاجاته اليومية البسيطة، مشيرة إلى أن الكتلة النقدية في العام 2019 كانت تقدر بنحو 6 آلاف مليار ليرة، فيما باتت اليوم تقارب 60 ألف مليار ليرة، وهو ما يعكس عمليا حجم الانهيار الذي أصاب قيمة الليرة اللبنانية وما يرافقه من "تكبير للأصفار" على مستوى الفئات النقدية.
ورأت مرسل أن هذا التوجه يعكس من جهة واقعا نقديا متدهورا، ومن جهة أخرى يهدف إلى تخفيف كلفة طباعة العملة على المصرف المركزي، إضافة إلى تسهيل عملية حمل وتداول النقد على المواطنين في ظل التراجع الكبير في القدرة الشرائية، مشددة على أن هذا الإجراء لا يرتبط بأي شكل من الأشكال بتراجع معدلات التضخم أو الحد منها. وأوضحت أن التضخم تحكمه عوامل اقتصادية ومالية أوسع، وغير مرتبطة بشكل مباشر بطباعة العملة أو تعديل فئاتها النقدية.
وعن احتمال اعتماد ميزات خاصة بالمكفوفين في العملات النقدية الجديدة، أوضحت أن التفاصيل التقنية لا تزال غير معروفة حتى الآن، كونها ترتبط بالمعايير الأمنية والمالية المعتمدة لمنع التزوير، وهي عادة لا تكشف إلا عند دخول العملة مرحلة التداول الرسمي. وقالت إن لبنان لا يطبع عملته داخل البلاد، بل في الخارج، ما يجعل عملية الإصدار خاضعة لشروط وإجراءات صارمة.
وعن وجود توجه لدى مصرف لبنان لسحب بعض الفئات النقدية الحالية من التداول، مثل ورقة الـ 100 ألف ليرة أو غيرها، بعد إصدار الفئات الجديدة، شددت مرسل على أن إصدار عملات نقدية جديدة لا يعني إطلاقا إلغاء الفئات القائمة أو سحبها تلقائيا من السوق، موضحة أن كل العملات المتداولة تبقى محافظة على قوتها الإبرائية القانونية، ولا يمكن إلغاء أي فئة أو سحبها من التداول إلا بموجب قانون رسمي صادر عن الجهات المختصة. وأعطت مثالا على العملات المعدنية القديمة من فئتي الـ 250 والـ 500 ليرة لبنانية، مشيرة إلى أنه لم يعد هناك اليوم ما يمكن شراؤه بهذه القيم، حيث تراجعت قدرتها الشرائية إلى حد كبير جدا.
وقالت إن هذه الفئات تلاشت قيمتها الاقتصادية عمليا، لكنها، في الوقت نفسه، لم تفقد صلاحيتها القانونية، بل لا تزال تعتبر عملة نافذة من حيث القوة الإبرائية، مسددة على أن ضرورة التمييز بين تراجع القيمة الشرائية وبين الوضع القانوني للعملة. وأكدت أن إصدار فئات نقدية جديدة وتكبير الأصفار لا يعني إلغاء العملات المتداولة حاليا أو سحبها من السوق، بل تبقى جميعها معترفا بها ضمن النظام النقدي القائم.
ولفتت مرسل إلى أن بعض الدول، عند تعرض عملاتها لانهيار كبير، تلجأ أحيانا إلى خيار شطب الأصفار، إلا أن لبنان لم يعتمد هذا المسار حتى الآن، موضحة أنه في ظل استمرار تراجع قيمة الليرة، حيث يبلغ سعر الدولار نحو 89 ألفا و500 ليرة، لم يصل الوضع بعد إلى مرحلة تتطلب شطب الأصفار، بل تُوجه بدلا من ذلك نحو تكبير الفئات النقدية.
وقالت: في السابق كانت الفئات المطبوعة لا تتجاوز الـ 100 ألف ليرة، بينما يُحكى اليوم عن فئات تصل إلى 500 ألف ومليون ليرة، من دون اللجوء إلى تغيير نظام الأصفار في العملة.
أما في ما يتعلق بشكل وتصميم العملة الجديدة، وما إذا كانت ستتضمن ميزات خاصة بالمكفوفين، فأشارت مرسل إلى أنه من الممكن أخذ احتياجات المكفوفين بعين الاعتبار عند تصميم العملة الجديدة، بما يضمن أن تكون مهيأة بطريقة تتيح لهم استخدامها بسهولة والتعامل بها، مشددة، في المقابل، على أنه في الوقت الراهن لا يمكن معرفة شكل التصميم أو التقنيات التي ستعتمد، إذ إن هذه التفاصيل تبقى مرتبطة بإجراءات الحماية والأمن النقدي الهادفة إلى منع أي محاولات تزوير أو تقليد للعملة.
وأوضحت أن مثل هذه المعطيات تبقى غير معلنة عادة إلا عند بدء تداول العملة بشكل رسمي، كونها جزءا من التدابير الاحترازية المعتمدة في هذا المجال، مؤكدة أن ما يتداول أحيانا حول وضع العملة "قيد التجربة" غير دقيق، إذ لا يوجد في المفهوم النقدي ما يسمى بعملة تستخدم تجريبيا، باعتبار أن كلفة إصدارها تقع على عاتق المصرف المركزي.
وشددت مرسل على أن الأمر لا يتعلق بخدمة قابلة للاختبار أو التجربة، بل بعملة رسمية تتمتع بقوة إبراء قانونية، ولا تخضع لمبدأ التجربة أو التقييم بعد الإصدار. وقالت إن قوة الإبراء لا تكون محل تجاذب أو اختبار، بل هي صفة قانونية ثابتة للعملة بمجرد إصدارها وتداولها رسميا.
في المحصلة، ينظر إلى "تكبير الأصفار" كمسكن موقت يهدف إلى تخفيف عبء رزم الأموال التي باتت تثقل جيوب اللبنانيين وحقائبهم في التعاملات اليومية، من دون أن ينعكس ذلك على جوهر الأزمة الاقتصادية. وإذا لم يطرأ أي تعديل على الجدول الزمني المعتمد، فمن المتوقع أن تبدأ الفئات النقدية الجديدة بالدخول تدريجيا إلى الأسواق اللبنانية بين نيسان وأيار من العام المقبل.