بينما يغرق لبنان في "ثقب أسود" من الأزمات، أتت نيران الحرب لتقضي على ما تبقى من صمود، محولة الغلاء إلى "غول" ينهش لقمة العيش. ومع تراجع قيمة الرواتب، يجد اللبناني نفسه وحيدا في مواجهة جشع الأسواق وفوضى الأسعار، وسط غياب مريب للرقابة الرسمية.
واليوم، ومع تصاعد المخاوف من أي توسع إضافي للحرب في لبنان، يبقى السؤال: هل نحن أمام انهيار شامل، أم أن هناك أملا بالخروج من الأزمة؟ وبين السيناريو الأسود وأمل الإنقاذ، يعيش المواطن انتظارا مريرا في بلد بات فيه مجرد البقاء إنجازا.
وفي هذا السياق، قال رئيس تجمع الشركات اللبنانية باسم البواب إن الوضع الاقتصادي اليوم يعد من أسوأ الأوضاع الاقتصادية التي يشهدها لبنان، حتى أنه أصعب من مرحلة 2019 و2020 التي شهدت الإفلاس المالي والاقتصادي، وكذلك أزمة كورونا، موضحا أن الاقتصاد، بعد كل هذه الأزمات تراجع بشكل كبير، والمشكلة لا تقتصر فقط على ضعف الاقتصاد، بل تمتد أيضا إلى تراجع قدرة المغتربين الذين كانوا يشكلون دعما أساسيا للبنان، سواء عبر تحويلاتهم المالية أو من خلال زياراتهم السياحية إلى البلاد.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن المغتربين كانوا يرسلون مليارات الدولارات إلى لبنان، وكانت قيمة التحويلات تقدر بنحو 8 مليارات دولار، إضافة إلى نحو 6 مليارات دولار من القطاع السياحي المرتبط بزياراتهم، ما يعني أن لبنان كان يستفيد فعليا من نحو 14 مليار دولار سنويا. وقال إن أوضاع المغتربين اليوم أصبحت صعبة، لا سيما أولئك المقيمين في الدول العربية ومنطقة الخليج، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على حجم الدعم والتحويلات المالية الوافدة إلى لبنان.
أضاف البواب إن العالم يشهد اليوم تضخما عالميا وأزمة عالمية كبيرة، إضافة إلى الأزمات التي تعيشها المنطقة، مؤكدا أن كل هذه العوامل، مع ضعف الوضع الاقتصادي اللبناني خلال المراحل الماضية، تجعل من هذه الفترة واحدة من أصعب المراحل التي يمر بها الاقتصاد اللبناني.
وأوضح أن الدولة اليوم ليست قادرة على القيام بالكثير من الخطوات، لأن وضعها أيضا صعب وليس سهلا، مشددا على أن الدولة لم تتمكن بعد من معالجة الرواتب أو تنظيمها بالشكل المطلوب، على الرغم من أنها رفعت أسعار البنزين، كما أنها غير قادرة على فرض سيطرة فعلية على الوضع الاقتصادي.
وأشار البواب إلى أن الدولة لا تستطيع التدخل لتمويل السوق أو دعمه، في حين أن دولا أخرى تنفق مليارات الدولارات لإعادة تنشيط اقتصاداتها والحفاظ على استمرارية الأسواق والمؤسسات، خصوصا المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لكي تتمكن من الصمود في ظل هذه الظروف الصعبة.
وقال: لا تزال الدولة اللبنانية قادرة فقط على تأجيل بعض الاستحقاقات المالية على الشركات، مثل الضرائب والرسوم والـ TVA، ولكن بشكل محدود ولمدة قصيرة لا تتجاوز الشهرين أو الثلاثة، من دون أن تكون قادرة على تقديم أي دعم فعلي إضافي.
أما في ما يتعلق بموضوع الرقابة، فأوضح البواب أنه فعليا لا يوجد احتكار في الأسواق، لأن الاقتصاد اللبناني اقتصاد حر، ما يعني أن كل المنتجات والخدمات متوفرة بكميات كبيرة وبأصناف عدة. وبالتالي، حتى لو حاول أي تاجر الاحتكار، فالسوق نفسه هو الذي يفرض الرقابة، إذ يمتنع المستهلكون عن الشراء منه، ما يؤدي عمليا إلى كسر أي محاولة احتكار. وقال: لا يوجد ما يسمى احتكارا بالمعنى التقليدي في لبنان، لكن في المقابل هناك تضخم وارتفاع في الأسعار نتيجة عوامل عدة، أبرزها التضخم العالمي الذي ينعكس بشكل أكبر على لبنان، إضافة إلى ارتفاع الرسوم الجمركية، وكلفة الشحن، وأسعار النفط والمازوت.
كما لفت إلى أن هذه الزيادات تتزامن مع أعباء محلية أخرى، مثل فواتير الكهرباء والمياه، والرواتب، ومصاريف الدولة والضرائب. وعلى الرغم من أن الضرائب نسبيا ليست مرتفعة جدا، إلا أن تراكمها عبر أبواب عدة يجعل لبنان من الدول التي يدفع فيها المواطن ضرائب مرتفعة إذا ما جمعت كلها معا، مثل الـ TVA وضريبة الدخل والبلدية وغيرها من الرسوم المتفرقة.
أما بالنسبة لموضوع توسع الحرب في المنطقة، فأوضح البواب أنه في حال حصل ذلك، فستكون التداعيات الاقتصادية المتوقعة على لبنان كبيرة جدا، خصوصا وأن الوضع اليوم قائم على هدنة هشة، وأي عودة لتصاعد النزاع وتوسعه ستجعل الأمور أكثر صعوبة وتعقيدا، مشيرا إلى أن سعر برميل النفط قد يرتفع إلى مستويات قد تصل إلى 140 أو 150 دولارا، ما سينعكس مباشرة على أسعار المحروقات في لبنان، حيث قد يتخطى سعر تنكة البنزين، الذي يبلغ اليوم نحو 28 دولارا، حاجز 50 أو 60 دولارا، وقد يصل في سيناريوهات أكثر حدة إلى حدود 100 دولار للتنكة.
ولفت إلى أن هذه التطورات قد تؤدي إلى حالة قلق مستمر وارتفاع في معدلات التضخم، لأن أسعار المحروقات والطاقة تؤثر بشكل مباشر على مختلف القطاعات، من النقل والشحن إلى كلفة النقل على الموظفين، مرورا بإنتاج الكهرباء والاستهلاك اليومي، وصولا إلى أسعار السلع والخدمات كافة. وبالتالي، فإن أي ارتفاع في أسعار النفط ينعكس بشكل سريع على الاقتصاد اللبناني، حيث يقدر أن كل زيادة بنحو 10 دولارات في سعر برميل النفط قد تؤدي إلى ارتفاع يقارب 1% في معدلات التضخم في لبنان. وعند ارتفاع الأسعار بمستويات أعلى مثل 50 أو 60 أو حتى 70 دولارا، فإن ذلك قد يترجم إلى تضخم مرتفع جدا يصل إلى 7 أو 8% أو أكثر.
وأوضح البواب أن تأثير ارتفاع أسعار المحروقات لا يقتصر عليها فقط، بل يمتد إلى كل القطاعات الأخرى، ما يجعل الانعكاس الاقتصادي أوسع وأشد على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والمعيشية في لبنان.
أما في ما إذا كنا أمام مرحلة اقتصادية أخطر من السنوات السابقة، فأكد أن هذه المرحلة تعد من أخطر المراحل التي مر بها الاقتصاد اللبناني لأسباب عدة، مشيرا إلى أن الضعف الاقتصادي والمالي في لبنان بات واضحا، وأن الأزمات المتراكمة طالت مختلف القطاعات. وأوضح أن كلا من القطاع العام والقطاع الخاص يعانيان في هذه الفترة، لافتا إلى أن الأوضاع ليست سهلة على الإطلاق، بل إنها تزداد تفاقما مع مرور الوقت.
وقال البواب: لا توجد حلول سريعة في الأفق، إلا في حال التوصل إلى اتفاقيات أو حالة من السلام أو الاستقرار في المنطقة، ما قد يساهم على الأقل في فرض هدنة، إن لم يكن سلاما دائما، مشيرا إلى أنه في حال تحقق ذلك، يمكن أن تعود بعض الدول المانحة إلى تقديم الدعم للبنان وضخ الأموال من جديد، بما يساهم في تخفيف حدة الأزمة.
وشدد على أن لبنان تكبد، بفعل الحربين منذ العام 2024 حتى اليوم، خسائر مباشرة وغير مباشرة كبيرة، بغض النظر عن الخسائر البشرية التي لا تحصى، إضافة إلى الوقت الذي تم استنزافه، مشيرا إلى أن تقديرات المؤسسات الدولية تشير إلى خسائر تتراوح بين 25 و26 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من 2024 حتى اليوم، منذ بدء حرب إسناد غزة.
وقال البواب: هذه الأرقام تعكس حجم التراجع الكبير الذي أصاب الاقتصاد خلال السنتين أو الثلاث سنوات الماضية، مؤكدا أن لبنان لم يعد قادرا على التعافي عبر دعم محدود بمليار أو مليارين أو حتى ثلاثة مليارات دولار، بل بات بحاجة إلى دعم دولي واسع من دول كبرى وبعشرات المليارات، من أجل إعادة تحريك عجلة الاقتصاد.
وأشار إلى أنه في حال غياب هذا الدعم، فسيبقى الاقتصاد في حالة تعثر مستمر، محذرا من أنه قد ينزلق نحو مستويات شبيهة باقتصادات الدول الفقيرة جدا، حيث تتقلص القدرة الاقتصادية إلى الحد الأدنى من الاستهلاك، أي الغذاء والشراب، وفي أفضل الأحوال بعض الخدمات الصحية الأساسية، وهو ما يضع البلاد أمام تحديات معيشية واقتصادية خطيرة جدا.
أما في ما يخص السيناريوهات المحتملة وإمكان الخروج من الأزمة، فأكد البواب أنه لا يزال بالإمكان تجاوز هذه المرحلة، مشيرا إلى أن اللبناني بطبيعته قادر على النهوض من الأزمات، لكن يتطلب ذلك أولا تحقيق الاستقرار والأمن والسلام.
وأوضح أنه لا بد من التوصل إلى وقف إطلاق نار نهائي، بما يفتح المجال أمام عودة تدريجية للمساعدات إلى لبنان من مختلف الدول، لافتا إلى أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه المغتربون في هذه المرحلة، سواء عبر العودة أو عبر دعم الاقتصاد المحلي، خصوصا في حال تحسن الأوضاع الأمنية.
وأشار البواب إلى أن الموسم السياحي كان يمكن أن يشكل فرصة إنقاذ حقيقية، لولا ضياع عدد من المواسم المتتالية، ابتداء من فترة الأعياد ورأس السنة، مرورا بالأعياد الدينية، وصولا إلى موسم الفصح الذي لم يستفد منه الاقتصاد بالشكل المطلوب، مع احتمال خسارة موسم الأضحى أيضا، ما يعني تراجعا كبيرا في العائدات السياحية، لافتا إلى أن هذه المواسم كان يمكن أن تضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد، من خلال السياحة وحركة المغتربين والإنفاق المحلي.
وقال إن معدلات البطالة ارتفعت بشكل ملحوظ، إذ وصلت في بعض المناطق إلى 40 و50 %، وحتى في المدن إلى حدود 25 % وما فوق، في حين يفترض أن تكون في الاقتصادات السليمة بين 5 و6 % فقط، بل إنها في دول كبرى مثل الولايات المتحدة تدور حاليا حول 3 إلى 4 %.
وعلى الرغم من ذلك، شدد البواب على أن الأمل يبقى قائما، مؤكدا أن أي وقف سريع للحرب في المنطقة ولبنان، إلى جانب عودة الدعم الخارجي، يمكن أن يفتح نافذة حقيقية للتعافي، نظرا إلى أن الاقتصاد اللبناني صغير نسبيا ويمكن أن يستعيد عافيته بسرعة إذا تدفقت إليه بعض المليارات من السياحة والمغتربين والدعم الدولي، ما ينعكس مباشرة على تحريك العجلة الاقتصادية وعودة النشاط تدريجيا.
وفي الختام، يبدو أن الاقتصاد اللبناني قد دخل مرحلة "العناية الفائقة"، حيث وضعت الحرب البلاد أمام واقع بالغ القسوة: إما الانزلاق نحو مزيد من الفقر والتدهور، أو فرصة إنقاذ مشروطة بوقف إطلاق النار وعودة الاستقرار. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، ينتظر انفراجا يعيد له الحد الأدنى من الاستقرار وكرامة العيش.