May 13, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

نزار هاني: مليون دولار لتأهيل سوق الخضار المركزي في بيروت .. والمرحلة الأولى الأسبوع المقبل !!!

عاد الاهتمام إلى "سوق بيروت المركزي للخضار والفواكه" في منطقة أرض جلول في الطريق الجديدة في بيروت إلى واجهة الاهتمام، بعد 26 عاما على قرار الحكومة إنشائه، في محاولة جديدة لإحياء واحد من أكبر المشاريع التجارية والتنظيمية الخاصة بالقطاع الزراعي والغذائي في العاصمة.

ويعد المشروع، المؤلف من 8 طوابق والمجهز بالكامل ببرادات ومستودعات وقاعات واسعة، من أبرز المشاريع التي أُعدت لتنظيم تجارة الخضار والفواكه والحد من العشوائية وجمع البسطات ضمن إطار حديث ومنظم. إلا أن المشروع بقي متوقفا بعد استكمال بنائه، إثر تبين أن كلفة تشغيله تفوق العائدات المتوقعة.

ومع إعادة طرح الملف مجددا، ينتظر أن يصدر خلال شهر قرار نهائي يحدد مصيره، في وقت جال فيه وزير الاقتصاد عامر البساط ووزير الزراعة نزار هاني في السوق على رأس وفد من الوزارتين وأعضاء من بلدية بيروت، حيث اطلعوا على واقعه واحتياجاته اللوجستية والتنظيمية.


فهل سيسلك هذا المشروع أخيرا طريقه نحو التشغيل بما يخدم القطاع الزراعي، ويؤمن للمزارعين مساحة منظمة لتصريف منتجاتهم، ويتيح للمواطنين تأمين احتياجاتهم من الخضار والفواكه في مكان واحد؟ وماذا عن الأسعار التي ستعتمد داخل هذا السوق؟ وهل ستنعكس كلفة تشغيله سلبا على أسعار السلع الزراعية، بما يجعله مقتصرا على فئة محددة من المواطنين، ويحد من قدرة أصحاب الدخل المحدود على الاستفادة منه والتبضع منه بشكل دائم ومنتظم؟


في هذا الإطار، أكد وزير الزراعة نزار هاني أن موضوع سوق أرض جلول يعد من الملفات الأساسية التي تعمل عليها وزارة الزراعة بالتعاون مع الجهات المعنية، مشيرا إلى أن السوق أنجز بناؤه بالكامل في العام 2020 بعد سنوات طويلة من العمل والتحضير امتدت لنحو 10 أعوام، وهو ملك لبلدية بيروت ومخصص أساسا ليكون سوقا للخضار والفواكه بالتجزئة.


وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الوزارة تتعاون بشكل مباشر مع وزارة الاقتصاد وبلدية بيروت من أجل استكمال كل الإجراءات الإدارية والتنظيمية المطلوبة لإعادة افتتاح السوق وتحقيق الغاية التي أُنشئ من أجلها، باعتباره سوقا دائما ومتخصصا ببيع الخضار والفواكه الطازجة بالتجزئة. وقال إن المشروع يمكن أن يتضمن أيضا جناحا مخصصا للمنتجات الزراعية الطازجة التي قد تشمل اللحوم والدجاج.


وأشار هاني إلى أن هذا النوع من الأسواق يعتبر من النماذج الحديثة والمهمة في القطاع الزراعي، لأنه يختصر المسافة بين المزارع والمستهلك، ويؤمن مساحة مباشرة للقاء والتفاعل بين الطرفين، بما ينعكس إيجابا على جودة المنتجات والأسعار وآليات التسويق، لافتا إلى أن السوق لن يقتصر فقط على عمليات البيع والشراء، بل سيضم قاعات اجتماعات ومحاضرات تنظم فيها لقاءات توعوية وإرشادية حول سلامة الغذاء وجودة الإنتاج الزراعي، إضافة إلى إقامة تدريبات متخصصة للمزارعين بهدف تطوير قدراتهم وتحسين إنتاجهم.


وكشف أن المشروع يتضمن أيضا إمكانية إنشاء مختبر متخصص داخل السوق، بالتعاون مع مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية، لمراقبة الإنتاج الزراعي وفحص المنتجات وضمان مطابقتها للمعايير الصحية المطلوبة، معتبرا أن هذه الخطوة تشكل عنصرا أساسيا في تعزيز الثقة بين المنتج والمستهلك.


وشدد هاني على أن أهمية هذا النوع من الأسواق تكمن أيضا في تعزيز ما يعرف بالتتبع الكامل للمنتجات الزراعية، بحيث تصبح كل المنتجات الداخلة إلى السوق معروفة المصدر والإنتاج، مع تحديد المزارعين الذين قاموا بزراعتها وإنتاجها، الأمر الذي يسمح بمتابعة السلع منذ خروجها من الحقل وحتى وصولها إلى المستهلك. وقال إن هذه الآلية تمنح المواطنين فرصة للتعرف مباشرة على المزارعين وشراء المنتجات الطازجة ذات الجودة العالية منهم بشكل مباشر.


وأكد أن هذا النموذج من الأسواق معمول به في مختلف دول العالم، كما أن لبنان يشهد تجارب مشابهة في عدد من المناطق عبر أسواق المزارعين الموسمية التي تقام خلال فصل الصيف وفي المواسم الزراعية، مشيرا إلى تجربة سوق الطيب في بيروت الذي يقام أسبوعيا أيام السبت والأحد.


إلا أن سوق أرض جلول، بحسب هاني، يتميز بكونه سوقا دائما ومفتوحا بشكل منتظم أمام المواطنين، على غرار أسواق الجملة المعروفة، ولكن بصيغة متخصصة للبيع بالتجزئة، حيث يتمكن المواطنون من التجول والتسوق والتعرف على المنتجات الزراعية المحلية بصورة مستمرة.


وفي ما يتعلق بالكلفة، أوضح أن المبنى متروك منذ نحو 5 سنوات، وهو يخضع للحراسة لكنه لا يشهد أي نشاط داخلي. وبحسب المعلومات التي قدمت من رئيس البلدية والمعنيين بالمشروع، فإن المبنى تعرض لبعض الأضرار، لا سيما في شبكات الكهرباء ولوحات التوزيع الكهربائية. وقال إن المهندس الاستشاري المشرف على المشروع قدّر كلفة أعمال الصيانة والتأهيل بين 700 ألف إلى مليون دولار، مشيرا إلى أن هذه الكلفة يمكن أن تتحملها البلدية أو الجهة المشغلة التي ستتولى إدارة السوق مستقبلا.


ورأى وزير الزراعة أن العمل الحالي يتركز على إعداد دراسة سريعة لتقييم مدى الاهتمام بالمشروع من قبل العارضين والتجار، وإمكان استئجار المحلات والبسطات الموجودة داخل السوق، إضافة إلى دراسة الكلفة التشغيلية وآليات الإدارة والتلزيم وفق قواعد الشراء العام، مؤكدا أن القطاع الخاص يمكن أن يؤدي دورا أساسيا في تشغيل السوق وإدارته، بالتعاون مع نقابة تجار التجزئة للخضار والفواكه التي واكبت المشروع منذ انطلاقته الأولى وشاركت في متابعة مراحل بنائه.


وأكد أن هذه الجهود تحظى بدعم مباشر من وزارة الزراعة ووزارة الاقتصاد، آملا في افتتاح المشروع ضمن المهل المحددة، مشيرا إلى أن المرحلة الأولى ستبدأ اعتبارا من الأسبوع المقبل عبر القيام بتقييم سريع للحاجات الإدارية والتشغيلية والمالية وجدوى تشغيل السوق، على أن تُختار، في مرحلة لاحقة، الجهة المشغلة تمهيدا لافتتاحه رسميا مع نهاية العام الحالي أو مطلع العام المقبل. وأكد أن النقاشات القائمة تهدف إلى ضمان عدم تجاوز مدة سنة واحدة قبل فتح السوق أمام المواطنين بشكل كامل.


في ضوء ما تقدم، يبدو أن نجاح سوق أرض جلول في قلب بيروت قد يشكل حافزا لإطلاق مشاريع مماثلة في مختلف المناطق اللبنانية، بما يساهم في دعم المزارعين وتنشيط الحركة الاقتصادية المحلية. إلا أن نجاح هذه التجربة يبقى مرتبطا بجملة تحديات أساسية، في مقدمتها إبعاد التجاذبات السياسية عن إدارة مثل هذه المشاريع، وضمان أن تبقى أسعار السلع المعروضة في متناول القدرة الشرائية للشريحة الأكبر من اللبنانيين الذين بات معظمهم من ذوي الدخل المحدود.