في ظل استمرار تثبيت سعر صرف الدولار عند حدود 89,500 ليرة، تتزايد التساؤلات حول مدى قدرة هذا الاستقرار على الصمود في المرحلة المقبلة، في بلد يرزح تحت أزمات اقتصادية ومالية متراكمة.
ورغم هذا الهدوء الظاهري في السوق النقدية، إلا أن هذا التوازن يبقى غير مستقر بالكامل، ومحكوما بعوامل داخلية وخارجية سريعة التبدل. وبينما تتجه الأنظار إلى مستقبل سعر الصرف، يبرز النقاش حول الأسس التي يقوم عليها هذا الاستقرار وإمكانات استمراره أو اهتزازه عند أي تطور اقتصادي أو سياسي ضاغط.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي أنطوان فرح أنه في الواقع من الضروري أن نعرف أن تثبيت سعر صرف الليرة أمام الدولار، لا يتم بطريقة طبيعية في لبنان.
وقال عبر منصة "بالعربي" إن هناك آلية استثنائية لظروف استثنائية جرى استحداثها في النصف الثاني من العام 2023 ولا تزال سارية.
وبين أن هذه الآلية تنص على تصغير حجم الكتلة النقدية بالليرة في السوق، ومراقبة حجم السيولة، والتعاون بين السلطتين النقدية والمالية، أي مصرف لبنان ووزارة المال، على جباية الضرائب والرسوم بالليرة لإعادة هذه الليرات دومًا إلى مصرف لبنان، ومن ثم استخدامها لشراء الدولارات، قبل ضخ قسم منها مجددًا في السوق.
وأشار إلى أن هذه الآلية قد نجحت في تثبيت سعر صرف الليرة لمدة تزيد على ثلاث سنوات حتى الآن.
وأضاف فرح أن هناك اليوم خللًا في الجباية، إذ كانت هذه الآلية تعتمد على الجباية لامتصاص السيولة من السوق، إلا أن هذا الخلل بات واضحًا في المرحلة الراهنة.
ولفت في المقابل إلى أن الوضع حتى الآن لا يزال تحت السيطرة، بمعنى أن التعاون بين وزارة المال ومصرف لبنان لا يزال مستمرًا، ما يسمح باستمرار عمل الآلية.
وأفاد بأنه في ظل هذه المعطيات يمكن القول إن الليرة ستبقى مستقرة، ولا خوف في المدى القريب من أي تغيير في سعر الصرف.
وحذر من أنه إذا طال أمد الحرب، تصبح كل الأمور مطروحة، بمعنى أن هذه الآلية اليوم تعتمد على كتلة نقدية محدودة ومحصورة بالليرة، لكن ماذا إذا اضطرت الدولة إلى الإنفاق الإضافي؟ وماذا إذا اضطرت إلى دفع رواتب إضافية؟ وماذا إذا اضطرت إلى تغطية مصاريف إضافية نتيجة تداعيات الحرب بالليرة؟ وبالتالي، فإن الدولة تملك ما يوازي خمسة مليارات دولار في مصرف لبنان، ولكن بالليرة اللبنانية. وإذا اضطرت وقررت أن تنفق بطريقة تؤدي إلى تكبير حجم الكتلة النقدية، فمن الطبيعي أن تهتز الليرة ويتغير سعر الصرف الثابت في هذه الحالة فقط.
وأوضح أن الموضوع حتى اليوم لا يمكن التكهن بمدته الزمنية، لأن شهرين قد مرا حتى الآن ولا تزال الكتلة النقدية بالليرة مضبوطة، ويمكن ضبطها لمدة إضافية، قد تطول شهرًا أو شهرين، إلا أنه إذا امتدت لفترة طويلة جدًا، فستكون هناك مشكلة بالتأكيد، خصوصًا أن ضخ الدولارات إلى لبنان قد يبدأ بالتراجع.
وبين أنه لا توجد اليوم إحصاءات دقيقة عن حجم تراجع التحويلات أو الأموال التي تدخل إلى لبنان بالدولار، لكن من البديهي أن الأموال التي كانت تدخل عبر قطاع السياحة والخدمات قد تراجعت بشكل كبير، فيما تبقى التحويلات، أي تحويلات اللبنانيين، بحاجة إلى مراقبة لمعرفة ما إذا كانت ستتأثر أيضاً، خصوصاً في ظل تأثر أوضاع اللبنانيين في الخارج، ولا سيما في دول الخليج العربي.
وأكد أن الأشهر المقبلة، أي الشهرين المقبلين، ستحدد مصير الليرة، لكنه حاليًا، ولغاية هذه الفترة، لا يعتقد أن سعر صرف الليرة سيتحرك.
وأشار إلى أنه من الضروري التنويه إلى أن مصرف لبنان اليوم ليس هو من يثبت سعر صرف الليرة، بل إن الذي يثبت السعر هو الآلية التي تم التوافق عليها، وبالتالي فإن مصرف لبنان لا يستطيع ضبط العملية كما كان يفعل سابقاً، خلافًا لما كان عليه الوضع قبل عام 2019، حين كان يتدخل لدعم الليرة ويتكبد خسائر بهدف تثبيت سعرها.
وأوضح أن مصرف لبنان اليوم لا يتدخل ولا يتحمل خسائر، بل يعتمد هذه الآلية، وطالما أنها سارية والدولة قادرة على المحافظة عليها، سيبقى سعر الصرف ثابتًا، أما عندما تعجز الدولة عن الاستمرار فيها، فسيتحرك حتمًا سعر الصرف.
وقال إن مؤشر الاستقرار الأساسي للاقتصاد هو استقرار سعر الصرف. وشهد لبنان، بحسب ما أشار، أنه بعد الانهيار المالي، ورغم استمراره منذ عام 2019، حصل نوع من النمو الاقتصادي وتحسن نسبي في القدرات الشرائية، وذلك بفضل استقرار سعر الصرف.
وحذر من أنه إذا تحرك سعر الصرف وعاد إلى الفوضى صعودًا ونزولًا، فمن المؤكد أن القدرة الشرائية للمواطن ستتأثر بشكل كبير، كما أن الدورة الاقتصادية ستتضرر سلباً، ما يعني أننا سنشهد انكماشًا اقتصاديًا، وستكون الأوضاع الاقتصادية بشكل عام، والمعيشية بشكل خاص، سيئة للغاية.
وفي السياق نفسه، لفت فرح إلى أنه من الضروري الإشارة إلى أن أحدًا اليوم لا يملك تصورًا واضحًا حول السعر الحقيقي لليرة اللبنانية من منظور اقتصادي، إذ إن تثبيت سعر الصرف يتم بطريقة اصطناعية واستثنائية لا تعكس بشكل كامل واقع الاقتصاد الفعلي.
وأضاف أنه في حال تم التخلي عن هذه الآلية وأصبحت الليرة تتحرك وفقًا لمعادلات السوق والوضع الاقتصادي الحقيقي، فإن أحدًا لا يمكنه تحديد مستوى سعر الصرف، ولا يمكن الحديث عن أي سقف أو رقم محدد يمكن الركون إليه.
وأوضح أنه في هذه الحالة، من المؤكد أن مستوى سعر الصرف سيكون مرتفعًا، بما يعني أن أي تغيير في الآلية الحالية قد يقود إلى انهيار عميق في قيمة الليرة وانعكاسات كبيرة على الاقتصاد.
في النهاية، يبقى استقرار سعر الصرف قائمًا على توازنات دقيقة ومحكومة بعوامل متغيرة، ما يجعل أي تبدل في الظروف الاقتصادية أو السياسية كفيلًا بإعادة خلط المشهد النقدي في لبنان بشكل جذري.