في سياق تصعيد الضغوط على إيران، وبعد أن طوقت نفط طهران من خلال الحصار المطبق على مضيق هرمز وجميع موانئها البحرية، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تجميد 344 مليون دولار من عمليات العملات المشفرة المرتبطة بها، في خطوة تعكس توجها متزايدا نحو استهداف هذا القطاع ضمن أدوات الضغط الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، أوضح المستشار في الأمن السيبراني والذكاء الإصطناعي رولان أبي نجم أن وضع العملات المشفرة في ظل هذه المواجهة يثير عددا من التساؤلات حول فعاليتها كوسيلة للالتفاف على العقوبات، مشيرا إلى أن معظم الدول كانت في السابق تتخذ موقفا حذرا أو معارضا تجاه العملات المشفرة، إلا أن هذا الموقف تغير مع تصاعد الأزمات، كما حصل مع روسيا قبل اندلاع الحرب مع أوكرانيا، حيث لجأت بعض الدول إلى هذه العملات كملاذ بديل في ظل العزلة المالية، خصوصا بعد القيود المفروضة على الأنظمة المصرفية الدولية.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن إيران سعت بدورها إلى استخدام العملات المشفرة كوسيلة للالتفاف على العقوبات، إلا أن هذا الخيار ليس آمنا كما يعتقد، مبيّنا أن الاعتقاد السائد بأن العملات المشفرة غير قابلة للتتبع هو اعتقاد خاطئ، إذ إن هذه العمليات، على الرغم من عدم ارتباطها بموقع جغرافي محدد، يمكن تحليلها وتتبعها من خلال تقنيات متقدمة، لا سيما عبر منصات التداول التي تلتزم بقوانين الدول، مثل منصة بايننس وغيرها.
وقال أبي نجم: تقنية البلوكتشين، التي تقوم عليها هذه العملات، تتيح في الواقع إمكانية تتبع العمليات وربطها ببعضها البعض، ما يسمح للجهات الحكومية والأمنية بكشف الجهات المستفيدة منها.
وفي تفسيره لتصاعد استهداف هذا القطاع من قبل واشنطن، اعتبر رأى أن الولايات المتحدة تعتمد استراتيجية تدريجية في فرض الضغوط، حيث لا تبدأ بكل الوسائل دفعة واحدة، بل تنتقل من العقوبات المالية إلى أشكال أخرى من الحصار، وصولا إلى تضييق الخناق على كل المنافذ المحتملة، موضحا أنه كلما حاولت إيران إيجاد منفذ جديد لتفادي العقوبات، سارعت الولايات المتحدة إلى إغلاقه، كما يحدث حاليا مع العملات المشفرة.
وأكد أبي نجم أن ما يحصل اليوم يعكس مرحلة متقدمة من الحصار الاقتصادي، حيث انتقلنا من القيود المالية إلى الحصار البحري، وصولا إلى استهداف القنوات الرقمية، لافتا إلى أن هذا الضغط المتصاعد يهدف إلى تسريع وتيرة التأثير، خصوصا وأن استمرار الحصار لفترة طويلة قد ينعكس سلبا على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى.
وأشار إلى أن أسلوب الحصار الاقتصادي على إيران أثبت فعاليته مقارنة بالمواجهات العسكرية المباشرة، متحدثا عن الخسائر الكبيرة التي تتكبدها طهران نتيجة هذا الحصار. إلا أنه أوضح أن الأمر يتطلب من الولايات المتحدة تكثيف الضغوط في فترة زمنية قصيرة لتحقيق النتائج المرجوة، معتبرا أن المرحلة الحالية تمثل ذروة هذا التصعيد.
وفي المحصلة، يظهر أن العملات المشفرة لم تعد ملاذا آمنا كما كان يعتقد، بل باتت بدورها ساحة جديدة للصراع الاقتصادي والتقني بين الدول.