March 05, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

إضراب حتى تنفيذ المطالب!

دخل القطاعُ العام اللبناني مرحلة تصعيدٍ فعليّ مع بدء الإضرابات والتوقف عن العمل في عددٍ من الإدارات والمؤسسات الرسمية، بعد أن أقرّ البرلمان اللبناني الموازنة العامة لعام 2026 من دون أن تتضمن أي بنودٍ تعالج أزمة الرواتب أو تعيد للموظفين جزءًا من قيمتها الفعلية. وتأتي هذه الاحتجاجات كردِّ فعل مباشر على استمرار تآكل القدرة الشرائية للرواتب وتفاقم الأوضاع المعيشية للموظفين في مختلف قطاعات الدولة. ومع اتساعِ رقعة الإضرابات وامتدادها إلى مختلف الإدارات، تتزايد المخاوف من شللٍ إداري قد ينعكس مباشرة على مصالح المواطنين. فهل ستتمكن الحكومة من الاستجابة لمطالب موظفي القطاع العام وإعادةِ ترتيب أوضاع الرواتب أم أنّ البلاد تتجه نحو تصعيدٍ أشمل يهدد انتظام المؤسسات والخدمات العامة؟

في هذا الإطار، لفت عضو الهيئة الإدارية في رابطة أساتذة التعليم الثانوي الأستاذ علي الطفيلي إلى أنّ تحركات القطاع التعليمي بدأت تتبلور عمليًا، حيث أرسلت الرابطة توصية إلى الجمعيات العمومية في الثانويات للتصويت على تنفيذ إضراب يومين في خلال هذا الأسبوع ويومين في الأسبوع المقبل، مُوضِحًا أنّ التوجّه العام يسير باتجاه إضراب متقطع.

 

وقَالَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" إِنَّ أساتذة التعليم الثانوي كانوا دائمًا "دينامو الحركة النقابية" وهم الذين يقودون التحركات، الاعتصامات والمظاهرات سواء على المستوى المناطقي أو في بيروت، موضحًا أن هذا القطاع لطالما كان في طليعة النضال النقابي لتحصيل حقوق جميع موظفي القطاع العام.

 

ولفت الطفيلي إلى أنه منذ بداية الأزمة في العام 2019، تجاوز معدل التضخم 7200 بالمئة، في حين لا تتجاوز الرواتب الحالية في أفضل حالاتها 40 بالمئة للأساتذة في الخدمة الفعلية وأقل من 20 بالمئة للمتقاعدين، مشيرًا إلى أنّ هذا الانهيار في القدرة الشرائية للرواتب لم يقابله أي تصحيح للأجور يغطي الفجوة بين معدلات التضخم والقيمة الفعلية للرواتب. وقَالَ إِنَّ التواصل المستمر مع كل القوى السياسية، رئاسة الحكومة، وزير المالية ياسين جابر ووزيرة التربية ريما كرامي لم يثمر سوى وعود، على الرَّغمِ مِن مرور أكثر من أربعة إلى خمسة أشهر، ما يجعل الأساتذة عاجزين عن تحصيل الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

 

وأوضح أن موقف الدولة من القطاع العام يتأثر مباشرةً بحملات صندوق النقد الدولي والشروط المرتبطة بها، لا سيّما ما يتعلق بتخفيف حجم القطاع العام، على الرَّغمِ مِن وُجُودِ قِطَاعَاتٍ مُنتِجَة دَاخِلَ الدولة ومنها التعليم الثانوي، الذي يعتبر من أكثر القطاعات إنتاجية، مؤكّدًا أنّ نتائج طلاب الثانويات الرسمية تشكّل دليلًا على هذا الإنتاج. وقال إِنَّ النظرة السائدة للقطاع العام تهدد فكرة دولة الرعاية الاجتماعية، التي تعتبر أساسًا لتحقيق نوع من العدالة بين المواطنين، مشيرًا إلى أن هناك رواتب مرتفعة للغاية تُمنَحُ لموظفين ومستشارين وهيئات ناظمة، بينما تُواجه مطالب موظفي القطاع العام في الحدّ الأدنى من حقوقهم بحملةٍ شرسة، على الرَّغمِ مِن أَنَّ الموازنة تحقق فائضًا أوليًا، وهو ما يعني أنّه بالإمكان دفع الرواتب بطريقة تضمن استمرار القطاع العام.

 

وفيما يخصّ المطالب، أكّد الطفيلي أَنَّ الرَّابِطَة طَرَحَت سلسلة رواتب تعيد للرواتب قيمتها الفعلية عبر مضاعفتها حتى 65 ضعفًا، على الرَّغمِ مِن تجاوز التضخم هذه النسبة، لافِتًا إلى أَنَّ هناك اقتراحًا بزيادة 12 راتبًا على أساس راتب 2019، وهو ما يعتبره الحد الأدنى الذي يحقق استمرار العمل في الإدارات العامة والقطاع التربوي، لكنه لا يغطي كامل الفجوة، بل يعتبر مقدمة لتصحيح تدريجي للرواتب والأجور.

 

وأشار إلى أن التنسيق قائم من خلال تجمع روابط القطاع العام، ويشمل جميع الموجودين في هذا القطاع سواء في الإدارات العامة أو التعليم، إضافةً إلى تواصل دائم مع العسكريين المتقاعدين، لافِتًا إلى أنّ هذا الإطار من التنسيق يجب أن يتعزز ويشمل كل مكونات القطاع العام، لأن الهجمة على هذا القطاع تطال جميع مكوّناته بلا استثناء.

 

وأَكَّدَ أَنَّهُم بِانتظار القرارات التي ستصدر عن الحكومة بشأن تصحيح الرواتب والأجور والتي التُزِمَ بِهَا في جلسة مجلس الوزراء على لسان وزير المالية ورئيس الحكومة نواف سلام.

 

وأَوضَحَ الطفيلي أَنَّ أَيّ قرارات لا تلبّي الحد الأدنى من المطالب ستقود إلى تصعيدٍ في الشارع وامتناعٍ عن العمل، لعدم القدرة على الوصول إلى المدارس أو الإدارات في ظلِّ هذه الرواتب الهزيلة، خاتِمًا: الرابطة ستعود إلى الجمعيات العمومية وقواعد الأساتذة لاتخاذ القرار بالتصعيد الأقصى بعد استنفاد كُلّ الوَسَائِل المُمكِنَة.