أمر مشترك جمع بين اللدودين: المصارف والمودعين، وهو رفض الجانبين لقانون الفجوة المالية الذي تدرسه الحكومة.
ويعود رفض المودعين لهذا القانون إلى اعتبارهم أنه مبني على شروط غير واضحة، وعلى آجال زمنية قد تمتد لعشرات السنوات، بدل استرداد أموالهم نقدًا.
لكن في المقابل، ما هي أسباب عدم رضى المصارف عن هذا القانون؟ وما هي المشاريع أو البدائل التي ترضيها، وتمكنها في نهاية المطاف من إنصاف المودعين وإعادة أموالهم إليهم؟
عن هذا السؤال، أجاب كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس الدكتور نسيب غبريل، الذي أَكَّدَ المصارف لا تعارض مبدأ إقرار قانون يحدد مصير الودائع ويعيد انتظام العمل المصرفي، معتبرًا أن هذه الحاجة ملحة منذ اليوم الأول للأزمة، إلَّا أن أي حل يجب أن يكون منطقيًا وقابلًا للتنفيذ، وأن يستند إلى الإِمكانيات المتاحة فعليًّا، لا إلى النيات أو الطروحات النظرية.
وأوضح عبر مِنصّة "بالعربي" أن مشروع القانون المطروح غير متوازن، إذ إنه ينكر كليًّا مسؤولية الدولة اللبنانية عن الأزمة ولا يتضمن أي مشاركة فعلية لها في تحمل الكلفة، مُشيرًا إلى أَنَّ الهدف العريض لأي مشروع من هذا النوع يجب أن يكون إحداث صدمة إيجابية وبدء استعادة الثقة، إلا أن الصيغة الحالية لا تحقق هذين الهدفين.
وأشار غبريل إلى أن المشروع يحمل المصارف العبء الأَساسي لتسديد الشق النقدي من الودائع، بما يصل إلى 100 ألف دولار على 4 سنوات، ما يعني نحو 20 مليار دولار في خلال هذه الفترة. وقال إنه لو كانت لدى المصارف الامكانيات اللازمة لما كانت هناك مشكلة، إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك، إذ لا تتوافر السيولة الكافية.
وبَيَّنَ أَنَّ صافي السيولة المتاحة لدى القطاع المصرفي، بعد احتساب الودائع بالعملات الأَجنبية لدى المصارف المراسلة في الخارج، بيع الموجودات الخارجية ومحفظة سندات اليوروبوندز اللبنانية المتعثرة، إضافة إلى العقارات في الخارج، لا يتجاوز نحو 6 مليارات دولار. وقال إِنَّهُ حتى عند احتساب احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، فإن هذا الاحتياطي ليس مُلكًا للمصرف المركزي، بل يعود بمعظمه إلى المودعين.
ولفت غبريل إلى أن الاحتياطي السائل بالعملات الأَجنبية لدى مصرف لبنان يبلغ نحو 12 مليار دولار، إلا أن الاحتياطي الالزامي البالغ 11% من ودائع المصارف يعادل نحو 8 مليارات دولار من هذا المبلغ، وهي أموال تعود للمودعين. وبذلك، فإن مجموع ما يمكن احتسابه لا يتجاوز 14 مليار دولار، ما يطرح تساؤلات حول مصادر التمويل المتبقية.
وانتقد تحميل المصارف 20% من كلفة السندات المدعومة بأصول مصرف لبنان، أي ما يقارب 6 مليارات دولار إضافية، فضلًا عن مطالبتها بإعادة رسملتها في خلال 5 سنوات، في وقت تتحمل فيه أعباء تفوق قدرتها الفعلية على التمويل.
كما شدد غبريل على أن قرار الدولة بالتعثر عن سداد سندات اليوروبوندز كان قرارًا كارثِيًّا، وأن ما يوصف بالفجوة المالية في ميزانية مصرف لبنان هو في الواقع عجز ناتج عن سياسات حكومية متعاقبة أدت إلى هدر نحو 80 مليار دولار، معتبرًا أن توصيف الامر بالفجوة يهدف إلى تجهيل الفاعل.
وأشار إلى أن المشروع يتيح، بطريقة غامضة، استخدام أصول مصرف لبنان من دون توضيح آليات التنفيذ، ما يثير مخاوف إضافية.
وختم غبريل: الحكومة قد تتعامل مع المشروع كخطوة شكلية أمام المجتمع الدولي، إلا أن الكلمة الفصل تعود إلى مجلس النواب، الذي يفترض أن يدرسه في اللجان المختصة ويعقد جلسات استماع للمعنيين.

