فيما تتّجه الأنظار غدًا إلى قصر بعبدا حيث يعقد مجلس الوزراء جلسة مخصّصة لمناقشة مشروع قانون الانتظام المالي، يدخل لبنان مجددًا في اختبار مفصلي لا يطال الأرقام فقط، بل جوهر العلاقة بين الدولة والمودعين، وحدود المسؤولية، ومعنى العدالة المالية بعد واحدة من أكبر عمليات تبديد الثقة في تاريخ البلاد.
الجلسة المرتقبة، بحسب المراقبين، لن تكون تقنية أو عابرة. فالموضوع المطروح يتصل مباشرة بمصير الودائع وبإعادة تنظيم الخسائر، في وقت كان رئيس الحكومة نواف سلام قد أعلن الجمعة إنجاز مسودة مشروع قانون لمعالجة الانتظام المالي واسترداد الودائع في خلال أربع سنوات، على أن تُناقَش على طاولة مجلس الوزراء، آملًا إقرارَها من دون تأخير.
غير أنّ هذا التفاؤل الحكومي يصطدم بواقع سياسي ومالي أكثر تعقيدًا. فالمؤشرات تفيد بأنّ إقرار المشروع بالسرعة التي يتمناها رئيس الحكومة ومن شاركوا في صياغته ليس مضمونًا، لا بسبب التفاصيل التقنية فحسب، بل لأنّ جوهر المشروع، كما يرى منتقدوه، يتجاهل المحاسبة ويتعامل مع أكبر عملية تبديد للودائع في تاريخ لبنان وكأنها أزمة تقنية لا جريمة مالية متراكمة.
منذ العام 2019، تعرّض المودعون لعملية شطب تدريجية لودائعهم، ليس بقانون صادر عن مجلس النواب، بل عبر تعاميم غير قانونية في أصلها وممارسات مصرفية فرضت قيودًا قسرية على السحوبات والتحويلات. هذه الوقائع لم تُناقَش يومًا كمسألة حقوقية أو قضائية، بل حصل التعامل معها كـ"أمر واقع"، فيما لم تُستعاد أموال الناس إلا في حالات نادرة، وغالبًا بالقوة، حين اقتحم بعض المودعين المصارف للمطالبة بحقوقهم.
اليوم، بدل أن تقف الدولة إلى جانب المودعين الذين تآكلت ودائعهم فعليًا على مدى سنوات، يبدو أنّ المسار المطروح يهدف إلى إقفال الملف بأقل كلفة سياسية ومالية على الدولة، ولو على حساب العدالة والمساءلة. فالمشروع، بصيغته المتداولة، لا يحدّد بوضوح من سرق، من هدر ومن استفاد، بل يكتفي بإعادة توزيع الخسائر تحت عنوان "الانتظام المالي".
في أي محاولة جدّية لإعادة بناء الثقة بين المودع والقطاع المصرفي، لا يمكن القفز فوق سؤال المسؤولية. المودع، في نهاية المطاف، لا يعنيه كيف تُقسَّم "السرقة" بين الأطراف ولا يقتنع بتسميتها "خسائر". الودائع، من وجهة نظره، لا تزال موجودة في دفاتر المصارف، والمصرف مؤتمن قانونًا وأخلاقيًا على حفظها، لا على تبديدها أو استخدامها لتمويل سياسات فاشلة.
من هنا، تتدرّج المسؤولية بوضوح: المصارف تتحمّل المسؤولية الأولى، لأنها الجهة التي قبلت الودائع وتعهدت بحمايتها.
مصرف لبنان يأتي في المرتبة الثانية، بوصفه الجهة الرقابية التي سمحت بتراكم المخاطر وموّلت الدولة والمصارف بطرق أدّت إلى استنزاف النظام.
الدولة تتحمّل مسؤوليتها السياسية والمالية، عبر سياسات العجز والإنفاق غير المنتج وغياب أي إصلاح فعلي.
أما المودع، فلا يمكن تحميله أي نسبة من هذه المسؤولية ولا يجوز شطب ودائعه ولو بنسبة 1%، لأنّه لم يكن شريكًا في الهدر ولا في القرارات الخاطئة.
في قلب هذا النقاش، يبرز سؤال أساسي: لماذا كان على مصرف لبنان الامتناع عن إقراض الدولة؟
الجواب ليس سياسيًا بل قانوني ومالي بحت. فإقراض الدولة من قبل المصرف المركزي يعني عمليًا استخدام أموال ليست ملكًا للدولة، بل هي احتياطات نقدية وأموال مودعين بشكل غير مباشر. هذا التمويل: يفاقم التضخم ويضرب الاستقرار النقدي، يستنزف ما تبقّى من احتياطات ويؤدي إلى تحميل المودعين كلفة عجز لم يشاركوا في صنعه.
الامتناع عن الإقراض لم يكن خيارًا تقنيًا، بل واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا. فكل ليرة صُرفت لتمويل الدولة من المصرف المركزي كانت تُقتطع من حقوق المودعين وتُراكم فجوة مالية يُسعَى اليَوم إلى "تنظيمها" بدل محاسبة من تسبّب بها.
الانتظام المالي الحقيقي لا يبدأ بإعادة جدولة الخسائر، بل بتنظيف رواسب الماضي: محاسبة المصارف، تحديد مسؤوليات مصرف لبنان ووضع الدولة أمام التزاماتها. من دون ذلك، سيبقى أي قانون مجرّد محاولة تقنية لإقفال ملف سياسية – مالي شائك، لا خطوة إصلاحية تعيد الثقة.
غدًا، في قصر بعبدا، لن يُناقَش مشروع قانون فحسب، بل سيُختبر خيار الدولة: إمّا الانحياز إلى المودعين بوصفهم أصحاب حق أو تكريس منطق الإفلات من المحاسبة تحت عناوين إصلاحية. وفي بلد فقد ثقته بكل شيء، قد يكون هذا الاختبار أخطر من أي أزمة مالية بحد ذاتها.