January 14, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

جديد المصارف: سحب 30 ألف دولار مقابل شطب 70 ألف دولار .. أي سرقة هذه!

لا خلاف على حقيقة أساسية: لا يمكن للبنان أن ينهض اقتصاديًا وماليًا ولا أن يعود إلى سكة التعافي، من دون قطاع مصرفي متين، فعّال وقادر على لعب دوره الطبيعي في تحريك عجلة الاقتصاد. غير أنّ هذه الحقيقة، على أهميتها، تصطدم اليوم بواقعٍ أكثر قسوة: قطاع لم يعالج بعد جوهر الأزمة التي انفجرت منذ العام 2019، ولا يزال يتعاطى مع المودعين بعقلية الأمر الواقع، لا بعقلية الشراكة أو المسؤولية.

فبعد أكثر من خمس سنوات على الانهيار المالي الأكبر في تاريخ لبنان الحديث، لا تزال المصارف تتصرّف وكأنّها فوق المحاسبة، فوق القانون وفوق أي اعتبار إنساني أو اجتماعي. إجراءات تُفرَض من جانب واحد، قرارات تُتَّخذ بلا شفافية وحقوق تُسلب تحت مسمّيات تقنية أو استنسابية، فيما المودع هو الحلقة الأضعف دائمًا.

 

منطق الاقتطاع المقنّع: سرقة موصوفة لا إجراء مصرفيّ

إحدى الحالات الصادمة التي تعكس هذا الواقع، تتعلّق بمودع يملك مبلغًا من المال، اضطر للقيامِ بِعملية طبية طارئة وخطِرة، تتطلّب مبلغًا قدره 30 ألف دولار أميركي. المفاجأة لم تكن في صعوبة الإجراء الطبي، بل في ما طُلِب منه داخل المصرف: سحب 30 ألف دولار، مقابل شطب 100 ألف دولار من حسابه. أي أن المصرف اقتطع 70 ألف دولار عمليًا، من دون أي مبرّر قانوني أو أخلاقي، تحت ذرائع مبهمة لا تستند إلى أي تشريع واضح.

 

هذه ليست "خسارة"، لا "تسوية" ولا "حلًّا مُوَقَّتًا". هذه سرقة علنية موصوفة. والأخطر أنّ هذه الحالة ليست استثناءً، بل واحدة من مئات الحالات المشابهة التي يتعرّض لها المودعون يوميًا، بصمتٍ قاتل، أو تحت ضغط الحاجة، أو الخوف أو اليأس.

 

فأي قطاع مصرفي يُبنى على اقتطاع أموال الناس بهذه الطريقة؟ وأي ثقة يُراد ترميمها فيما المصارف لا تزال تتصرّف كخصمٍ لا كحامٍ للودائع؟

 

إجراءات تعسّفية تُكرّس منطق القوّة

الأزمة لا تتوقف عند السحوبات الكبيرة. فحتى الإجراءات اليومية البسيطة باتت تخضع لمنطق استنسابي يُمعن في إذلال المواطنين. فقد اشتكى عدد من المودعين من أنّ الصرافات الآلية في عَدَدٍ مِنَ المصارف لم تعد تسمح بسحب مبالغ تقلّ عن 100 دولار بواسطة بطاقات الـVisa، في خطوة لم تكن معمولًا بها سابقًا ولم يصدر بشأنها أي تعميم رسمي واضح.

 

إجراءات كهذه، مهما حاولت المصارف تبريرها تقنيًا، تحمل رسالة خطِرة: القرار ليس بيد الدولة ولا بيد القانون، بل بيد المصارف وحدها. وكأنّها تقول للمودعين إنّ حقوقهم مرهونة بمزاج إدارات مصرفية، لا بضمانات قانونية أو رقابة فعلية.

 

لا نهوض بلا عدالة… ولا قطاع بلا محاسبة

إنّ أي حديث عن إعادة هيكلة القطاع المصرفي، أو استعادة الثقة أو جذب الاستثمارات، يبقى مجرّد شعارات فارغة، ما دامت المصارف ترفض الاعتراف بمسؤوليتها عمّا حصل، وتُمعن في تحميل الخسائر للمودعين وحدهم، من دون خطة عادلة، ولا توزيع منصف للأعباء ولا مساءلة حقيقية.

 

الثقة لا تُفرض بالقوّة، لا تُبنى بالإجراءات التعسّفية ولا تُستعاد عبر التضييق على أصحاب الحقوق. الثقة تُبنى عندما يشعر المودع أنّ ماله مصان، أنّ كرامته محترمة وأنّ القانون يحميه لا يتركه فريسة لمنطق الأمر الواقع.

 

لبنان يحتاج فعلًا إلى قطاع مصرفي قوي، لكن ليس أيّ قطاع ولا بأيّ ثمن. يحتاج إلى مصارف تخضع للقانون، لا تفرضه. إلى مؤسسات تحمي المودعين، لا تستنزفهم. إلى نظام مالي يُعيد الثقة بالفعل، لا بالخطابات.

 

أما استمرار التعاطي مع المودعين بهذه الطريقة، فلن يُنتج نهوضًا، بل مزيدًا من الانهيار ومزيدًا من القطيعة بين الناس والقطاع المصرفي، وربما بين الناس والدولة نفسها.

 

فأي نهوض هذا، إذا كان يُبنى على أنقاض حقوق المودعين؟