حين يمر نحو 20 في المئة من الطاقة العالمية عبر ممر مائي واحد، لا يعود السؤال عمن يسيطر عليه تفصيلًا جغرافيًا أو عسكريًا، بل يتحول إلى سؤال يمس أمن الطاقة والاقتصاد العالميين: من يملك قرار العبور في مضيق هرمز، ومن يستطيع فعليًا فرض قواعد الملاحة فيه؟
حين يمر نحو 20 في المئة من الطاقة العالمية عبر ممر مائي واحد، لا يعود السؤال عمن يسيطر عليه تفصيلًا جغرافيًا أو عسكريًا، بل يتحول إلى سؤال يمس أمن الطاقة والاقتصاد العالميين: من يملك قرار العبور في مضيق هرمز، ومن يستطيع فعليًا فرض قواعد الملاحة فيه؟
وفي قراءة لأهمية المضيق في معادلة الطاقة العالمية، قال المحلل السياسي ومدير معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف، سامي نادر، إن نحو 20 في المئة من الطاقة العالمية تمر عبر هذا الممر الحيوي، ما يمنحه أهميةً استراتيجيةً تتجاوز حدوده الجغرافية.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن أي إغلاق للمضيق ستكون له تداعيات كبيرة على الاقتصاد العالمي، خصوصًا أن نحو 60 في المئة من الطاقة التي تعبره تتجه إلى الأسواق الآسيوية، ما يجعل تأمين طرق بديلة تحديًا معقدًا ومكلفًا.
وأشار إلى أن البدائل تشمل قناة السويس وباب المندب، إضافةً إلى بعض خطوط نقل النفط البرية، إلا أن هذه المسارات تخدم بصورة أساسية الأسواق الأوروبية، فيما يصبح إيصال الإمدادات إلى الأسواق الآسيوية أكثر كلفةً، حتى عبر باب المندب.
وبحسب نادر، فإن أهمية هرمز لا تكمن فقط في حجم الطاقة التي تمر عبره، بل أيضًا في صعوبة إيجاد بديل قادر على استيعاب هذه التدفقات والحفاظ على كفاءة وصولها إلى الأسواق، ولا سيما الآسيوية، على المدى المتوسط.
ومن هنا تحديدًا تبدأ قراءة المشهد الأوسع. فإذا كان هرمز بهذه الأهمية، وإذا كانت البدائل عنه محدودةً ومكلفةً، فإن التحولات التي تشهدها حركة السفن داخله لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تبدل في المسارات الملاحية، بل بوصفها مؤشرًا إلى تغير محتمل في موازين النفوذ داخل واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم.
فمضيق هرمز لم يعد كما كان. الممر المائي الحيوي الذي طالما لوحت إيران بإغلاقه، واعتبرته واحدةً من أقوى أوراق الضغط والردع في مواجهة خصومها الدوليين والإقليميين، يشهد اليوم تحولًا جذريًا في حركة الملاحة وسلوك السفن، مع تزايد الاعتماد على المسار الجنوبي المحاذي لسواحل سلطنة عمان، وبغطاء أمني أميركي مكثف.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز مسألة إغلاق المضيق من عدمها: هل لا تزال إيران قادرةً على فرض إرادتها على حركة الملاحة، أم أن استمرار عبور السفن، وصعود "المسار العماني"، واتساع مظلة الحماية الأميركية، بدأت مجتمعةً في إعادة صياغة قواعد اللعبة داخل هرمز؟
تترجم الأرقام الميدانية حجم التبدل الحاصل في حسابات شركات الشحن العالمية؛ إذ قفزت حركة العبور من نحو 40 سفينة قبل أسبوعين إلى قرابة 200 سفينة الأسبوع الماضي، مسجلةً ارتفاعًا يقارب 400 في المئة، وفقًا للبيانات الملاحية المتداولة.
والأهم من ذلك أن أكثر من 80 في المئة من السفن التي عبرت خلال الأسبوعين الماضيين اتجهت نحو "المسار العماني". وبحسب بيانات منصة "كبلر" المتخصصة في تتبع حركة الطاقة، فإن هذا المسار كان شبه خال من الحركة قبل أسابيع قليلة، قبل أن تبدأ السفن باعتماده بصورة متزايدة ومطردة، تفاديًا لخطوط التماس القريبة من السواحل الإيرانية.
ولا تبدو هذه الأرقام مجرد ارتفاع طبيعي في حركة الملاحة، بل تعكس تبدلًا في سلوك شركات الشحن نفسها. فاختيار مسار معين داخل منطقة بهذا القدر من الحساسية لا يخضع فقط للاعتبارات الجغرافية، بل يرتبط أيضًا بحسابات الأمن والتأمين والحماية العسكرية ومخاطر الاستهداف.
المشهد هنا لا يقتصر على الأرقام فحسب؛ فالسفن التي كانت تتحاشى الصدام مع إيران في الماضي، باتت اليوم تبحر في مسارات لا تحظى بموافقة طهران، مستفيدةً بشكل مباشر من التعهدات الأميركية بتوفير الحماية العسكرية والمرافقة الأمنية.
وبمعنى أكثر وضوحًا: لا تزال إيران تملك القدرة على التهديد والمشاغبة، لكنها تبدو أقل قدرةً من أي وقت مضى على فرض إرادتها وشروطها على حركة الملاحة الدولية.
وهنا تكمن نقطة التحول الأساسية. فالقوة في مضيق هرمز لا تقاس فقط بعدد الصواريخ أو المسيرات أو القطع البحرية المنتشرة، وإنما أيضًا بمدى قدرة الطرف المعني على تحويل هذه القوة إلى قواعد فعلية تلتزم بها السفن وشركات الشحن.
فإذا كانت الناقلات قادرةً على مواصلة العبور، وإن عبر مسارات مختلفة وتحت حماية عسكرية أكبر، فإن قدرة طهران على التهديد تبقى قائمةً، لكن قدرتها على تحويل هذا التهديد إلى "فيتو" كامل على الملاحة تصبح موضع اختبار.
ومن هذه النقطة بالتحديد، يبدأ التحول الحقيقي في معادلة النفوذ داخل مضيق هرمز.
الجواب ليس بهذه البساطة؛ فإيران لم تفقد وجودها العسكري الكثيف، ولا قدرتها على تهديد الملاحة أو رفع كلفة التأمين والعبور. كما أن موقعها الجغرافي يمنحها قدرةً دائمةً على التأثير في حركة السفن ورفع مستوى المخاطر متى أرادت التصعيد.
لكن الفارق يبدو شاسعًا بين القدرة على تحويل المضيق إلى منطقة خطر عبر الألغام والصواريخ والمسيّرات، وبين القدرة على التحكم المطلق بمن يعبره وكيف يعبره.
وهذا هو جوهر التحول الجاري؛ إذ إن الولايات المتحدة، هي الأخرى، لا تفرض سيطرةً مطلقةً على المضيق، رغم حشدها العسكري الكبير وتوفيرها مظلة حماية للناقلات. وبالتالي، لا يمكن الحديث عن انتقال السيطرة من إيران إلى واشنطن، بقدر ما يمكن الحديث عن نشوء معادلة جديدة تحد من قدرة أي طرف على الانفراد بقرار المضيق.
وهكذا، يعيش هرمز اليوم حالة "توازن قوى قلق"، ومنطقةً رماديةً لا تخضع بالكامل لإرادة طرف واحد: إيران قادرة على التهديد، والولايات المتحدة قادرة على الحماية والردع، فيما تحاول شركات الشحن إيجاد المسارات الأقل خطورةً لضمان استمرار الحركة.
الرقم الآخر الذي يستدعي التوقف والنظر بعمق هو حجم النفط الذي لا يزال يتدفق عبر هذا الممر الحيوي.
فقد أشار وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، إلى أن نحو 15 مليون برميل يوميًا من شحنات النفط عبرت المضيق، أو جرى التعامل معها عبر مسارات لوجستية مرتبطة به، مقارنةً بنحو 20 مليون برميل يوميًا قبل اندلاع المواجهات الأخيرة.
هذا يعني أن تدفقات الطاقة تراجعت نسبيًا، لكنها لم تتوقف.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية بالنسبة إلى طهران: فإذا كان الهدف من وراء التهديد المستمر بإغلاق هرمز هو خنق صادرات الطاقة العالمية وإجبار المجتمع الدولي على دفع ثمن باهظ للمواجهة، فإن استمرار تدفق ملايين البراميل يوميًا يعني أن هذه الورقة، رغم خطورتها، لم تحقق حتى الآن النتائج الاستراتيجية الكاملة التي تراهن عليها إيران.
وفي المقابل، لا يعني استمرار تدفق النفط أن العالم تجاوز خطر هرمز؛ إذ إن أي انخفاض كبير أو طويل الأمد في حركة الطاقة يمكن أن ينعكس سريعًا على الأسعار والأسواق وسلاسل الإمداد، وهو ما يعيد التأكيد على النقطة التي أشار إليها سامي نادر بشأن صعوبة إيجاد بدائل قادرة على تعويض هذا الممر الحيوي.
ومع ذلك، فإن الصورة الملاحية لم تكتمل فصولها بعد؛ إذ لجأت بعض ناقلات النفط إلى إطفاء أجهزة التتبع والتعرف الآلي الخاصة بها، فيما يعرف تكتيكيًا بـ"الملاحة المظلمة"، لتجنب الرصد أو الاستهداف العسكري.
هذا التمويه الرقمي يعني، بالضرورة، أن أرقام حركة السفن المعلنة في قواعد البيانات التجارية لا تزال ناقصةً، وأن جزءًا مهمًا من حركة النفط الحقيقية قد لا يظهر في بيانات التتبع التقليدية.
وبناءً عليه، فإن مجرد رصد ارتفاع في حركة الملاحة أو عبور الناقلات لا يعني مطلقًا أن المضيق بات آمنًا، أو أن التهديدات الإيرانية قد تلاشت من المشهد.
بل على العكس، قد يكون لجوء بعض السفن إلى إخفاء تحركاتها مؤشرًا إضافيًا إلى استمرار مستوى مرتفع من المخاطر، حتى في الوقت الذي تحاول فيه حركة التجارة الدولية التكيف مع الواقع الجديد.
بالتوازي مع الاحتدام البحري، تتسع رقعة المواجهة لتشمل جبهةً اقتصاديةً لا تقل خطورةً؛ إذ يقود التحرك الأميركي استراتيجيةً تستهدف شبكات الشحن والقنوات التمويلية وصادرات النفط الإيرانية.
هنا تتجلى معادلة الردع المتبادل: طهران تحاول توظيف مضيق هرمز كأداة ضغط على المجتمع الدولي، بينما تستخدم واشنطن سلاح العقوبات لقطع الشرايين المالية والتجارية لطهران، عبر ملاحقة "أسطول الظل" والكيانات التي تسهل الالتفاف المالي والتجاري.
وبذلك، تصبح المواجهة على مستويين متوازيين: إيران تملك القدرة على تهديد الممر الذي تمر عبره الطاقة، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى تضييق المسارات التي تستخدمها طهران لتصدير نفطها وتأمين مواردها المالية.
وهكذا، يخرج صراع هرمز من مضمونه البحري الضيق ليتحول إلى معركة أوسع على شرايين المال والطاقة والتمويل العالمي.
وسط هذا التجاذب الحاد، تعزز سلطنة عمان موقعها كلاعب محوري لا يمكن تجاوزه؛ إذ تحول المسار المحاذي لسواحلها إلى خيار متزايد الاستخدام أمام حركة الملاحة الدولية.
هذا الواقع الجغرافي يمنح مسقط ثقلًا متزايدًا في صياغة أي ترتيبات مستقبلية تضمن أمن المضيق وحرية الملاحة فيه.
فكلما ازداد اعتماد السفن على المسار العماني، ازدادت أهمية الموقع الجغرافي للسلطنة في معادلة أمن هرمز، سواء من الناحية الملاحية أو السياسية أو الأمنية.
ولا يعني ذلك أن عمان أصبحت صاحبة قرار المضيق، لكنها باتت تمثل عنصرًا أساسيًا في أي معادلة تسعى إلى إبقاء الملاحة بعيدةً قدر الإمكان عن نقاط الاحتكاك الأكثر حساسيةً.
ومع ذلك، يظل المضيق العقدة الأكثر حساسيةً في منظومة الطاقة العالمية، كون أي اضطراب مزمن فيه يمكن أن يرسل موجات ارتداديةً تضرب الأسواق والأسعار وسلاسل الإمداد العالمية.
وهنا تعود قراءة سامي نادر إلى الواجهة؛ فالحديث عن تغيير مسارات السفن داخل المضيق يختلف جذريًا عن الحديث عن الاستغناء عن هرمز نفسه.
فالبدائل، من قناة السويس إلى باب المندب وبعض خطوط الأنابيب البرية، قد توفر هامشًا للحركة وتخفف جزءًا من الضغط، لكنها لا تقدم بالضرورة بديلًا كاملًا قادرًا على استيعاب حجم الطاقة التي تعبر هرمز، ولا سيما تلك المتجهة إلى الأسواق الآسيوية.
وبالتالي، فإن أهمية المضيق لا تتراجع لمجرد وجود طرق أخرى، بل قد تصبح أكثر وضوحًا كلما ارتفعت كلفة هذه البدائل وتعقدت عمليات نقل الإمدادات من خلالها.
وهذا تحديدًا ما يجعل الصراع على قواعد المرور في هرمز أكثر أهميةً من أي وقت مضى؛ فالعالم لا يستطيع بسهولة التخلي عن المضيق، وإيران تعرف ذلك، والولايات المتحدة تعرفه أيضًا، كما تدركه شركات الطاقة والشحن التي تبحث عن معادلة تجمع بين استمرار الحركة وتقليص المخاطر.
إيران لم تفقد حضورها في مضيق هرمز، والولايات المتحدة لم تفرض سيطرتها المطلقة عليه؛ لكن ثمة تحولًا جذريًا يلوح في الأفق.
فطهران، التي كانت قادرةً في السابق على جعل خطوط الشحن العالمية تحسب ألف حساب قبل الإقدام على خطوة العبور، تواجه اليوم حركةً ملاحيةً تتجه نحو مسارات أقل احتكاكًا بالسواحل الإيرانية، مدعومةً بمظلة حماية أميركية، وتكتيكات تجارية ولوجستية تهدف إلى ضمان استمرار تدفق النفط.
وفي المقابل، لا تزال إيران تمتلك من الأدوات العسكرية والجغرافية ما يسمح لها برفع مستوى الخطر وتعقيد حركة الملاحة ورفع كلفتها، ما يعني أن الحديث عن انتهاء ورقة هرمز الإيرانية يبدو سابقًا لأوانه.
بناءً على ذلك، لم تعد المعركة في مضيق هرمز متمحورةً فقط حول السؤال التقليدي: من يملك القدرة على إغلاق المضيق؟ بل انتقلت إلى مربع أكثر أهميةً: من يملك القدرة على فرض قواعد المرور فيه؟
فإذا استمرت السفن في العبور، وتواصل تدفق الطاقة، واتسع الاعتماد على المسار العماني، وتمدد نطاق الحماية الأميركية، فإن ورقة هرمز قد تتحول تدريجيًا من سلاح ضغط إيراني قادر على فرض شروطه على العالم، إلى ورقة تهديد تستطيع طهران استخدامها لرفع الكلفة، من دون أن تتمكن بالضرورة من امتلاك قرار العبور وحدها.
وفي المقابل، فإن أي تصعيد قادر على تعطيل الملاحة بصورة واسعة سيعيد سريعًا إظهار حجم القوة التي لا تزال إيران تمتلكها داخل هذه المعادلة.
لهذا، لم يحسم ملف هرمز بعد، ولم تنتقل السيطرة فيه من يد إلى أخرى. لكن قواعد اللعبة تشهد إعادة صياغة واضحة؛ فالمعركة اليوم لم تعد فقط معركة صواريخ وسفن وناقلات، بل معركة إرادة لوجستية وسيادية واقتصادية.
وفي مضيق تمر عبره نسبة وازنة من طاقة العالم، قد لا يكون الطرف الأقوى هو من يستطيع تهديد السفن فحسب، بل من يستطيع ضمان استمرار عبورها، والتأثير في المسارات التي تسلكها، وفرض قواعد المرور عندما ترتفع حرارة المواجهة.