قد يتفهم المراقبون النوايا الإسرائيلية التوسعية التي تحكم العقل المتشدد في تل أبيب، والتي تستهدف دول المنطقة المحيطة بإسرائيل، ولا سيما لبنان وسوريا والضفة الغربية، ناهيك عن العين الإسرائيلية المفتوحة على قطاع غزة، حيث بات جزء كبير منه تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. لكن أن تنتقل الوجهة التصعيدية الإسرائيلية صوب تركيا، فذلك أمر يدعو إلى الاستغراب والريبة في آن.
فبعد قصف إسرائيل قاعدة أبو الظهور العسكرية في ريف إدلب الشرقي، في خطوة بررتها تل أبيب بمخاوفها من وجود أو نشر قوات تركية في القاعدة، توالت التحذيرات الإسرائيلية لأنقرة على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، فيما تحدثت تقارير إعلامية إسرائيلية عن متابعة المؤسسة الأمنية في تل أبيب بقلق للنشاط العسكري التركي في البحر الأبيض المتوسط.
كلها مؤشرات توحي بأن العلاقة بين تل أبيب وأنقرة تدخل مرحلة أكثر توترًا، ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال البعد السياسي الداخلي الإسرائيلي، ولا سيما الحملة الانتخابية التي استخدم فيها نتنياهو صورة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى جانب عدد من الشخصيات التي تُصنَّف في خانة أعداء إسرائيل، تحت شعار: "لا تدعوهم يفوزون".
ومع هذه التطورات التي تنذر بفتح جبهة جديدة من التوتر في المنطقة، يبرز السؤال عن الدور الذي يمكن أن يلعبه حلف شمال الأطلسي في حال تعرضت تركيا، العضو في الحلف، لاعتداء إسرائيلي. وماذا عن اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي يجمع، إلى جانب أنقرة، كلًا من الرياض وإسلام آباد، وينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا؟ وهل يمكن لهذا الاتفاق أن يشكل سدًّا منيعًا في وجه أي عدوان يستهدف تركيا؟
وأخيرًا، تبقى الأنظار شاخصة إلى الدور الذي قد يلعبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو الذي أظهر تقاربًا لافتًا مع تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان خلال قمة حلف شمال الأطلسي التي استضافتها أنقرة في تموز الماضي.
وحول آخر التطورات التي رافقت استهداف إسرائيل لمطار أبو الظهور العسكري وما تلاها من تهديدات إسرائيلية لأنقرة، أكد الكاتب والمحلل السياسي التركي بكير أتاجان أن المواجهة بين تركيا وإسرائيل قد تقع عاجلًا أم آجلًا، سواء اليوم أو غدًا أو بعد سنوات. وقال إن "نهاية إسرائيل ستكون على يد تركيا"، معتبرًا أن الصراع بين الطرفين مرشح لأن يتحول، في نهاية المطاف، إلى حرب مباشرة، رابطًا ذلك بقراءة تاريخية ودينية لطبيعة العلاقة بين تركيا وإسرائيل.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن جزءًا كبيرًا من اليهود الذين وصلوا إلى فلسطين قبل قيام إسرائيل وفي بدايات تأسيسها جاءوا من دول مختلفة، معتبرًا أن تركيا، بحكم دورها التاريخي خلال العهد العثماني وبعده، كانت جزءًا من السياق الذي سمح بوصولهم، وبالتالي فإنها، بحسب قراءته، ستكون الطرف القادر على إعادة رسم هذا الواقع.
وأشار أتاجان إلى وجود معتقدات دينية يهودية تتحدث عن "الأسد القادم من الشمال"، معتبرًا أن المقصود بذلك، وفق قراءته، ليس تركيا وحدها، بل المنطقة الممتدة من تركيا إلى سوريا ولبنان.
وفي هذا السياق، استند إلى مواقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التي يعتبر فيها أن لبنان وسوريا يدخلان ضمن نطاق الأمن القومي التركي، لافتًا إلى أن أي مواجهة محتملة لا يمكن اختزالها بتركيا وحدها، بل قد تكون مرتبطة بالامتداد الجغرافي والاستراتيجي الذي يشمل سوريا ولبنان.
وعن موقف حلف شمال الأطلسي "الناتو" في حال تعرض تركيا لهجوم إسرائيلي، قال إن التعهدات التي تنص على التضامن بين دول الحلف قد تبقى، في هذه الحالة، "حبرًا على ورق"، معتبرًا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان تأثيرًا كبيرًا في قرارات الدول الغربية. وأضاف أن المفارقة، في حال اندلاع مواجهة، قد تتمثل في أن دولًا في الناتو قد تتحرك ضد تركيا بدلًا من إسرائيل التي تكون قد بادرت إلى الاعتداء عليها، على حد قوله.
أما بشأن اتفاقية مكة المبرمة بين تركيا والسعودية وباكستان، فأوضح أتاجان أن الاتفاقية ذات طبيعة ردعية ودفاعية وليست اتفاقية هجومية، وبالتالي فإن تعرض تركيا لهجوم إسرائيلي قد يدفع السعودية وباكستان إلى تقديم دعم عسكري وسياسي واقتصادي لأنقرة، لكنه لا يعني بالضرورة دخولهما في حرب هجومية مباشرة ضد إسرائيل.
وشدد على أن هذا التوصيف، بحسب قوله، ليس اجتهادًا شخصيًا منه، بل يستند إلى ما صدر عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان ومسؤولين في باكستان والسعودية بشأن طبيعة الاتفاقية وأهدافها.
وفي ما يتعلق بدور الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رأى أن إشادة ترامب بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان وبتركيا خلال الاجتماع الأخير للناتو في أنقرة لا ينبغي تفسيرها على أنها مجرد مديح سياسي، معتبرًا أن الرئيس الأميركي يدرك طبيعة القوة العسكرية التركية ويستند إلى تقارير استخباراتية حول قدراتها.
وقال إن ترامب، من خلال أسلوبه في الإشادة بأردوغان، يبعث، في الوقت نفسه، برسالة تحذير إلى إسرائيل والدول الغربية بضرورة أخذ قوة تركيا في الاعتبار، مضيفًا أن ما يبدو مديحًا في الخطاب العلني قد يكون، في قراءته، تحذيرًا سياسيًّا وعسكريًّا من تداعيات الدخول في مواجهة مع أنقرة.
وأكد أن ترامب "لا يمدح تركيا حبًّا بها، وإنما يحذر"، معتبرًا أن رسالته موجهة إلى الغرب والأوروبيين وإسرائيل بشأن ما يمكن أن يحدث في حال اندلاع حرب مع تركيا، سواء في الأيام المقبلة أو على المدى البعيد.
وعن حقيقة الوجود العسكري التركي في شمال سوريا، نفى أتاجان وجود قوة عسكرية تركية منظمة داخل الأراضي السورية في الوقت الراهن، موضحًا أن هناك أفرادًا وعلاقات ووجودًا استخباراتيًّا، لكن ذلك لا يعني وجود قوة عسكرية تركية منتشرة داخل سوريا.
وقال إن تركيا انسحبت من مناطق عدة، ومن بينها عفرين، مشيرًا إلى أن الأفراد الموجودين هناك انسحبوا في إطار الاتفاق المبرم في 10 آذار الماضي بين حزب العمال الكردستاني - فرعه السوري - والدولة السورية الجديدة، مشددًا على ضرورة التمييز بين وجود أفراد أو عناصر استخباراتية وبين وجود عسكري منظم، معتبرًا أن الحديث عن وجود قوة عسكرية تركية داخل سوريا يحتاج إلى أدلة واضحة.
وفي هذا الإطار، قارن بين الوجود الإيراني السابق في سوريا والوجود التركي المزعوم، مشيرًا إلى أن إيران، بحسب قوله، أمضت أكثر من 10 سنوات داخل الأراضي السورية إلى جانب قواتها وميليشياتها، ووصل وجودها إلى مناطق متاخمة للحدود الإسرائيلية، معتبرًا أن ذلك يشير، وفق قراءته، إلى وجود مستوى مرتفع من التنسيق غير المعلن بين إيران وإسرائيل، متسائلًا عن أسباب عدم تعرض القوات الإيرانية الموجودة في سوريا سابقًا للمواجهة ذاتها التي تثيرها إسرائيل حيال أي حديث عن دعم تركي للشعب السوري.
وأضاف أن "القيامة قامت في إسرائيل" عندما أعلنت تركيا استعدادها لدعم الشعب السوري، معتبرًا أن ذلك يعكس حساسية إسرائيل تجاه أي توسع محتمل للدور التركي في سوريا.
وفي معرض استدلاله على عدم وجود قوات تركية عسكرية منظمة داخل سوريا، قال أتاجان إنه لو كانت تركيا موجودة بقوة عسكرية فعلية خلال العمليات التي شهدتها مناطق سورية عدة، لكان من الطبيعي أن يسقط قتلى أو جرحى من الجنود الأتراك، إلا أن ذلك لم يحدث، بحسب قوله.
وأشار إلى العمليات التي جرت في حمص وحماة ودمشق، وصولًا إلى التطورات الأخيرة في مطار أبو الظهور في إدلب، معتبرًا أن عدم سقوط جنود أتراك خلالها يشكل، من وجهة نظره، دليلًا على عدم وجود قوة عسكرية تركية منظمة داخل الأراضي السورية.
وأكد أن احتمال وجود أفراد أو عناصر استخباراتية تركية داخل سوريا يختلف جذريًّا عن وجود قوات عسكرية منظمة، مشددًا على أن حديثه ينحصر في توصيف الوجود العسكري التركي المباشر، وليس في نفي أي وجود أمني أو استخباراتي محتمل.
وفي أي حسابات لمواجهة محتملة بين أنقرة وتل أبيب، لا يمكن تجاهل أن تركيا تحتل المرتبة التاسعة عالميًّا في تصنيف القوة العسكرية لعام 2026، متقدمة على إسرائيل التي تأتي في المرتبة الـ15، وفق "غلوبال فاير باور". وإلى جانب جيشها الكبير، راكمت تركيا تطورًا لافتًا في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية، ولا سيما في مجال المسيّرات والأنظمة العسكرية، فيما باتت صادراتها الدفاعية تتجاوز 10 مليارات دولار. وبين عضويتها في "الناتو" وشبكة شراكاتها الإقليمية والدولية، تبدو أنقرة قوة عسكرية يصعب تجاهلها في أي مواجهة مقبلة.