بعد انقضاء مهلة الـ60 يومًا التي حددتها مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية الموقعة في حزيران الماضي، من دون التوصل إلى اتفاق نهائي، تدخل المنطقة مرحلة جديدة شديدة الحساسية، وسط غموض يحيط بمصير وقف إطلاق النار واحتمالات استئناف المواجهة.
وبينما تتمسك واشنطن بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، تبدو طهران أمام خيارين أساسيين: العودة إلى المواجهة المباشرة أو تفعيل شبكة حلفائها في المنطقة، ولا سيما في لبنان والعراق واليمن.
وفي ظل ما تعرض له "محور الممانعة" من ضربات وتغيرات، تبرز أسئلة حول مدى احتفاظ إيران بقدرتها على تنسيق هذه الجبهات، وما إذا كان لبنان، عبر حزب الله، سيكون إحدى ساحات التصعيد المقبلة، أم أن الثقل سينتقل أكثر نحو العراق واليمن.
وفي حوار مطول مع منصة "بالعربي"، قدم الإعلامي والمفكر المصري عماد الدين أديب قراءة معمقة لمسار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وتداعياتها المحتملة على المنطقة، متوقفًا عند مستقبل أذرع طهران، ولا سيما حزب الله والحوثيين، والخيارات التي قد تكون أمام إيران في المرحلة المقبلة.
الانتخابات الأميركية والإسرائيلية مفتاح المرحلة المقبلة
واعتبر أديب أنه من الصعب، في المرحلة الراهنة، ترجيح سيناريو محدد لمسار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، مشيرًا إلى أن الأطراف الثلاثة الأساسية في الصراع، أي الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، تتحرك في ظل ظروف داخلية معقدة تجعل التنبؤ بخياراتها أمرًا شديد الصعوبة.
وقال إن انتهاء مهلة الـ60 يومًا التي حددها التفاهم الأميركي–الإيراني، من دون التوصل إلى اتفاق نهائي، لا يعني بالضرورة أن المنطقة تتجه حكمًا إلى مواجهة عسكرية مباشرة جديدة، كما لا يعني أن الخيار البديل سيكون حتمًا حربًا غير مباشرة عبر الأذرع الإيرانية، معتبرًا أن حسابات الأطراف الداخلية ستلعب دورًا أساسيًا في تحديد المسار المقبل.
وأوضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدخلان مرحلة ذات حسابات انتخابية حساسة، وهو ما قد ينعكس على سلوكهما الخارجي. وبحسب أديب، فإن أي قرار يتعلق بالحرب أو التفاوض لا ينفصل عن الحسابات السياسية الداخلية، إذ تسعى القيادات عادة، تحت ضغط الأزمات الداخلية، إلى اتخاذ خطوات تخفف من وطأة هذه الضغوط وتحافظ على الاستقرار الداخلي.
ترامب قد يتحول إلى "بطة عرجاء"
وربط أديب مسار المواجهة مع إيران بالحسابات الداخلية للرئيس الأميركي دونالد ترامب والحزب الجمهوري، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني المقبل، التي تشمل مجلس النواب وتجديد جزء من مجلس الشيوخ. واعتبر أن إطالة أمد الضغط على ترامب قد تستهدف إضعاف موقعه الداخلي وإفقاد الجمهوريين أغلبيتهم المريحة في الكونغرس، ما قد يحول الرئيس إلى ما يُعرف بـ"البطة العرجاء"، أي رئيس يحتفظ بصلاحياته التنفيذية، لكنه يواجه صعوبة أكبر في تمرير سياساته.
وأشار أديب كذلك إلى أن القضاء الأميركي يمكن أن يشكل قيدًا إضافيًا على قرارات الإدارة، فيما يمثل تراجع شعبية ترامب وارتفاع أسعار الطاقة والسلع عبئًا انتخابيًا متزايدًا. وبناءً عليه، اعتقد أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة، إذ قد تجد واشنطن نفسها أمام معادلة دقيقة بين مواصلة الضغط على إيران وتجنب كلفة اقتصادية وسياسية يمكن أن تهدد موقع الجمهوريين في الانتخابات المقبلة.
الضغوط الاقتصادية الإيرانية ترسم شكل المواجهة
وفي المقابل، اعتبر أن الوضع الداخلي في إيران بات عاملًا شديد الأهمية في تحديد خيارات طهران، في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات الأميركية والتوتر المتصل بمضيق هرمز. وأضاف أن قدرة الاقتصاد الإيراني على تحمل مزيد من الضغوط، في ظل انهيار العملة المحلية، ستكون عنصرًا حاسمًا في تحديد ما إذا كانت طهران ستذهب مجددًا إلى التفاوض أم ستختار التصعيد.
واعتبر أن إيران قد تلجأ، إذا اختارت التصعيد غير المباشر، إلى تحريك حلفائها في المنطقة، مرجحًا أن يكون الحوثيون في اليمن من أبرز أدوات الضغط، ولا سيما في منطقة الخليج وخليج عدن. وحذر من أن انتقال التصعيد إلى باب المندب، بالتوازي مع أزمة مضيق هرمز، قد يفرض تداعيات خطيرة على حركة التجارة العالمية، نظرًا إلى الأهمية الاستراتيجية للممرين البحريين.
حزب الله أضعف أذرع إيران في المنطقة
وفي حديثه عن "محور الممانعة"، اعتبر أديب أن حزب الله هو "أضعف" أذرع إيران في المرحلة الحالية، بعدما تعرض، وفق قراءته، لضربات قاسية منذ اندلاع حرب غزة عام 2023 وتوسع المواجهة مع إسرائيل، طالت قياداته وبنيته العسكرية وبيئته الاجتماعية. وأشار إلى اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصر الله وعدد من القيادات البارزة، فضلًا عن الخسائر البشرية والنزوح الواسع اللذين تعرضت لهما بيئة الحزب، معتبرًا أن الإجراءات المالية التي استهدفت قنوات تمويله شكلت ضربة إضافية لقدراته.
وأضاف أن الحزب تلقى ضربة استراتيجية أخرى مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، معتبرًا أن انتهاء النظام السابق أضعف أحد أهم خطوط الإمداد التي كانت تربط إيران بحزب الله عبر الأراضي السورية، سواء على مستوى السلاح أو الدعم الأمني والاستخباراتي أو عمليات التهريب.
وفي السياق اللبناني، اعتبر أديب أن المعادلة السياسية الحالية لا تصب في مصلحة حزب الله، مشيرًا إلى وجود رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام وتركيبة سياسية ونيابية جديدة تختلف، في رأيه، عن المرحلة التي كان فيها الحزب يتمتع بهامش أوسع من الحركة السياسية والعسكرية.
وتوقف عند الوضع في جنوب لبنان، وتحديدًا في تلة علي الطاهر والنبطية، مشيرًا إلى أنه زار المنطقة بنفسه قبل نحو ثلاثة أشهر، وكان على مسافة قريبة من التلة، وبالتالي فإنه يتحدث، بحسب قوله، عن واقع عاينه ميدانيًا.
ووصف النبطية بأنها مدينة ذات تاريخ ومكانة كبيرين، مشيرًا إلى أن حجم الدمار والنزوح غير كثيرًا من المشهد فيها. وقال إن نسبة محدودة جدًا من سكان المدينة كانت موجودة فيها خلال زيارته، فيما كان كثيرون يعودون لتفقد منازلهم وممتلكاتهم أو معاينة ما تبقى منها.
وفي ما يتعلق باحتمال دخول حزب الله في مواجهة جديدة مع إسرائيل، قال أديب إن وجود الاحتلال يعني، من وجهة نظره، استمرار مبدأ المقاومة، لكنه اعتبر أن ميزان القوى العسكري الحالي لا يسمح للحزب بالتعامل مع أي مواجهة مقبلة باعتبارها معركة لتحرير الجنوب، بل ستكون أقرب إلى الدفاع عن المواقع والقدرات التي لا تزال قائمة، في ظل تراكم الخسائر.
وأضاف أن التموضع العسكري الإسرائيلي والغطاء الأميركي المفتوح لإسرائيل، فضلًا عن طبيعة الائتلاف الحاكم في تل أبيب، تجعل الظروف العسكرية والسياسية غير مواتية لحزب الله في حال اندلاع مواجهة واسعة.
المزاج الانتخابي الإسرائيلي يميل إلى التشدد
وفي قراءته للأشهر الستة المقبلة، رفض أديب اختزال المشهد في معادلة "إيران أضعف وأذرعها أضعف"، مؤكدًا أن تحديد مستقبل النفوذ الإيراني لا يرتبط فقط بالقدرات الإيرانية المباشرة، وإنما أيضًا بالتوازنات الإقليمية والدولية وبما ستؤول إليه الأوضاع السياسية في الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأشار إلى أن أحد أهم الاستحقاقات التي ينبغي مراقبتها هو مستقبل الحكم في إسرائيل، معتبرًا أن نتائج الانتخابات ستحدد، إلى حد كبير، طبيعة السياسة الإسرائيلية المقبلة تجاه إيران وحزب الله وسائر الأطراف الإقليمية. وقال إن المزاج العام داخل إسرائيل يميل، وفق قراءته، إلى التشدد، مشيرًا إلى أن قطاعات واسعة من الإسرائيليين تعرضت خلال السنوات الأخيرة لصواريخ من حزب الله والحوثيين وإيران، الأمر الذي عزز، في رأيه، الاعتقاد لدى جزء من الرأي العام الإسرائيلي بأن الأمن لا يمكن ضمانه إلا من خلال القوة العسكرية.
واعتبر أن هذا المزاج قد يصب في مصلحة بنيامين نتنياهو سياسيًا، لكنه أشار، في الوقت نفسه، إلى عوامل يمكن أن تعمل ضده، بينها الوضع الاقتصادي والقضايا القضائية التي يواجهها والانتقادات المتعلقة بإخفاقات 7 تشرين الأول، إضافة إلى الخلافات داخل الائتلاف الإسرائيلي.
ودعا أديب إلى مراقبة الوضع الداخلي في الولايات المتحدة أيضًا، ولا سيما تأثير ارتفاع أسعار الطاقة والسلع على المواطن الأميركي، باعتبار أن استمرار الحرب والاضطراب في أسواق الطاقة يمكن أن يتحولا إلى عامل ضغط سياسي على الإدارة الأميركية مع اقتراب الانتخابات النصفية.
باب المندب... جبهة قد تهدد التجارة العالمية
وفي المقابل، اعتبر أديب أن قدرة الاقتصاد الإيراني على تحمل مزيد من الضغوط ستكون عاملًا حاسمًا في تحديد خيارات طهران المقبلة، مشيرًا إلى أن استمرار الضغوط الداخلية قد يدفعها إلى تحريك حلفائها وأذرعها في المنطقة واستخدامهم أداة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
ورجح أن يكون الحوثيون في مقدمة الأطراف التي قد تلجأ إيران إلى تحريكها، ولا سيما في منطقة الخليج وخليج عدن، معتبرًا أن أي تصعيد واسع قد لا يقتصر على مضيق هرمز، بل يمكن أن يمتد إلى باب المندب، بما يحمله ذلك من تداعيات كبيرة على حركة التجارة العالمية.
وحذر من أن إغلاق باب المندب سيؤثر بصورة مباشرة في حركة الملاحة المرتبطة بقناة السويس، ويهدد جزءًا كبيرًا من إيراداتها، فضلًا عن ارتفاع كلفة الشحن والتأمين واضطرار السفن إلى سلوك طريق رأس الرجاء الصالح، ما يضيف أسابيع إلى زمن وصول البضائع ويزيد الضغوط على التجارة العالمية. واعتبر أن الجمع بين أزمة في مضيق هرمز واضطراب الملاحة في باب المندب يمكن أن يقود إلى أزمة اقتصادية وتجارية واسعة تتجاوز حدود المنطقة.
وفي ظل الضغوط الداخلية المتصاعدة في واشنطن وطهران وتل أبيب، وتفاقم الأزمة الاقتصادية الإيرانية، واحتمالات تحريك الجبهات المرتبطة بإيران، تبدو المنطقة أمام مرحلة مفتوحة على أكثر من سيناريو. فبينما قد تدفع الضغوط نحو العودة إلى التفاوض، يبقى خيار التصعيد غير المباشر قائمًا، من مضيق هرمز وباب المندب إلى لبنان وسائر ساحات النفوذ الإيراني. وفي انتظار ما ستفرزه الاستحقاقات الانتخابية والتحولات الميدانية، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح الضغوط في دفع الأطراف إلى تسوية، أم تفتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد الإقليمي؟