لم تعد التحالفات في المنطقة تقاس فقط بعدد الدول التي تنضم إليها، بل بما تملكه كل دولة من نفوذ وقدرة على التأثير في محيطها. ومع التطورات المتسارعة من إيران إلى الخليج، والصراع على منافذ الطاقة والملاحة، تتجه الأنظار إلى أدوار قوى إقليمية تبدو أمام مرحلة مختلفة عن السابق.
من هنا تبرز باكستان وتركيا إلى جانب السعودية، بعدما انتقل الحديث عن دورهما من التفاوض والوساطة إلى موقع الحليف. فماذا يعني هذا التحول، وما الذي يمكن أن يضيفه تحالف الدول الثلاث إلى المشهد الإقليمي في ظل كل هذه الملفات المفتوحة؟
في هذا السياق، أكد المستشار القانوني الكويتي مفرح الشلاحي أن باكستان لم تكن يومًا مجرد مفاوض، مشيرًا إلى أن العلاقة التاريخية التي تجمعها بالمملكة العربية السعودية، وموقع البلدين في منطقة الخليج والمنطقة الإسلامية، جعلاها نافذة لحوار معين في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد. ولفت إلى أن هذا الدور جاء في ظل تطورات متسارعة، بينها تصفية قيادات إيرانية من الصف الأول والثاني والثالث، معتبرًا، وفق المعطيات التي يستند إليها، أن هذه التصفية جاءت في سياق تفاهمات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن ما حدث في غزة وما يحدث في الضفة الغربية يدخل أيضًا في إطار معطيات وترتيبات سابقة.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن الإيرانيين أدركوا، بحسب قراءته، أن دور الوسيط بات دورًا تحالفيًا، لافتًا إلى أن الهجمات الإيرانية خلال الفترة السابقة لم تتركز بصورة أساسية على إسرائيل، بل اتجهت إلى مناطق الخليج ومنابع الطاقة والمياه والأماكن الاستراتيجية. ومن هنا، اعتبر أن التهديد القائم هو تهديد أميركي وإسرائيلي في مواجهة ما تبقى من النظام الإيراني، متطرقًا، في الوقت نفسه، إلى الإعلان المستمر عن السيطرة على المضيق، ومعتبرًا أن هذه المسألة ترتبط بحماية الملاحة البحرية والجوية والتعاملات المرتبطة بها.
ولفت إلى أن الملاحة الجوية مع إيران مقطوعة، وأن استمرار هذه الأوضاع يحمل قطاع الطيران تكاليف مرتفعة، فيما اعتبر أن الخطر الأكبر يتمثل في وصول التهديد إلى الملاحة البحرية، ولا سيما باب المندب، بما يعني، وفق تقديره، وصوله إلى قناة السويس.
واعتبر الشلاحي أن تعطيل هذا العصب الاقتصادي ستكون له تداعيات واسعة، متسائلًا عن المستفيد من تعطيل حركة بهذا الحجم، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء وحاجة الاتحاد الأوروبي الرئيسية إلى النفط والغاز. وأشار إلى أن أي اضطراب في حركة الإمدادات، حتى مع وجود تمديدات أو ترتيبات خاصة، سيرفع تكاليف التأمين على السفن، ويجعل تأمين الإمدادات بصورة منتظمة أكثر صعوبة، معتبرًا أن استمرار هذا الوضع قد يؤثر بصورة مباشرة في مناطق ذات أهمية اقتصادية كبيرة. ومن هنا، خلص إلى أن الولايات المتحدة تريد خنق الاتحاد الأوروبي، خصوصًا بعد تدهور العلاقات بين واشنطن وحلف شمال الأطلسي في ما يتعلق بروسيا وأوكرانيا.
وفي هذا الإطار، كشف أن الولايات المتحدة قد تتخلى عن أوكرانيا نوعًا ما، من خلال إعطاء روسيا ما تراه في القرم وما يرتبط بها، إضافة إلى بعض المناطق الساحلية والحدودية التي تدور خلافات حول نتائج التصويت فيها، متوقعًا أن تعطى هذه المناطق لروسيا. وذهب إلى أن روسيا ستكون، في المقابل، مساعدة للولايات المتحدة في إسقاط النظام الإيراني، متوقعًا أن يصل الأمر إلى تجزئة إيران إلى خمس دول، هي الأحواز وبلوشستان والأرغستان وكردستان وعربستان، معتبرًا أن الولايات المتحدة ستحصل، في هذا الإطار، على تعهدات تجارية مرتبطة بإعادة إعمار هذه المناطق.
وفي ما يتعلق بمستقبل النظام الإيراني، شدد الشلاحي على أن مسألة إسقاطه ليست وليدة الحرب الحالية، بل سبقتها، بحسب قراءته، احتجاجات ومظاهرات واسعة داخل إيران، نتيجة عدم رضا شريحة من الشعب عن المنظومة السياسية التي، وفق تعبيره، أخرت البلاد آلاف السنين، بسبب إنفاق أموال الشعب على المنظمات وبعض الدول والميليشيات التي اختارت إيران دعمها، وهو ما اعتبره النظام جزءًا من سياسة التوسع.
وأشار إلى أن الشعب الإيراني ناضل في هذه المسألة وقدم ضحايا على مدى سنوات، لافتًا إلى حصول أربع أو خمس مظاهرات كبيرة كانت حصيلتها مرتفعة من الضحايا، خصوصًا خلال المواجهات المرتبطة بها.
واعتبر أن الأمر بالنسبة إلى الإيرانيين محسوم، وأنهم يدركون أن هذا النظام لا يمكن أن يدوم، إلا أن المشكلة تكمن، بحسب رأيه، في وجود شريحة تملك أدوات السلاح والوسائل التي تسمح لها بخنق المجتمع ومنع التعبير عن الرأي. ورغم ذلك، لفت إلى أن الإيرانيين لا يزالون يحاولون التظاهر، لكن غياب وسائل التواصل الحقيقية التي تنقل الصورة الفعلية من الشارع الإيراني يشكل إحدى العقبات أمام إيصال هذه الصورة. واعتبر أن هذه المسألة يمكن أن تكون متاحة أمام الأميركيين لاستثمارها، عبر تسليط الضوء عليها وإتاحة المجال أمام وسائل التواصل الاجتماعي داخل إيران لتأخذ دورها.
وفي ما يخص معاهدة مكة وإمكانية انضمام دول خليجية أخرى إليها، بين الشلاحي أن المعاهدة مقتصرة على أكبر أقطاب إسلامية في المنطقة، وأن انضمام دول أخرى سيكون شكليًا أكثر منه واقعيًا، موضحًا أن الدول التي تشكل هذا التحالف هي دول تملك قوة عسكرية واقتصادًا قويًا، وبالتالي فإن أي تحالف بهذه الصورة لا يحتاج إلى عدد كبير من الأعضاء بقدر حاجته إلى أقطاب قادرة على إسناده وتعزيز قوته.
وفي هذا السياق، توقف عند مدى تأثير باكستان في المنطقة، معتبرًا أن نفوذها لا يقتصر على حدودها، ومشيرًا إلى تأثيرها في الداخل الهندي، على نحو 50 مليون نسمة، وإلى تأثيرها في بنغلادش التي يبلغ عدد سكانها، وفق تقديره، نحو 170 مليون نسمة، إضافة إلى تأثيرها في نيبال، باعتبارها من دول جوار باكستان. ومن ثم، اعتبر أن السؤال لا يتعلق فقط بما تملكه باكستان داخل حدودها، بل بحجم تأثيرها في محيطها ومن هم حلفاؤها في هذه المنطقة.
وانتقل الشلاحي إلى تركيا، لافتًا إلى أن لها كيانًا كبيرًا في قبرص، فضلًا عن امتلاكها، وفق قراءته، تأثيرًا في الشارع الانتخابي داخل الدول الأوروبية، بنسبة تصل إلى نحو 30 في المئة، بفعل توسع العمالة التركية والحضور التركي الذي ترسخ في هذه الدول منذ سنوات. واعتبر أن هذا الحضور يمنح أنقرة تأثيرًا داخليًا في عدد من الدول الأوروبية، وبالتالي فإن تركيا أيضًا لا يمكن التعامل معها كدولة منفصلة عن امتداداتها وتأثيرها الخارجي.
وبالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، فوصفها بـ"الأم الكبيرة"، معتبرًا أن لها سلطة وتأثيرًا كبيرين على دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى تأثيرها في الدول الإسلامية في أفريقيا، وما قدمته المملكة من أعمال ومساعدات إلى دول العالم. ومن هنا، شدد على أن الحديث عن هذا التحالف لا يجب أن يبنى على عدد الدول المنضوية فيه، بل على ثقل القوى التي تشكله، مؤكدًا أن قوة المشهد تكمن في عدم التعامل مع هذه الدول منفردة، بل في النظر إلى امتدادات كل منها.
في المحصلة، تتقاطع كل الملفات التي طرحت عند نقطة واحدة: المنطقة أمام مرحلة تتغير فيها التحالفات ومواقع القوى. ومع دخول السعودية وباكستان وتركيا في صيغة أكثر تماسكًا، يصبح ما تملكه هذه الدول من قوة ونفوذ وامتدادات عاملًا أساسيًا في أي ترتيبات مقبلة.