في تطور قضائي بارز، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، في 11 آب 2026، أحكاما بالإعدام بحق عدد من أبرز رموز النظام السوري السابق، بينهم بشار الأسد وماهر الأسد غيابيا، والمسؤول الأمني السابق عاطف نجيب حضوريا، على خلفية إدانتهم بجرائم قتل وتعذيب وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتفتح هذه الأحكام الباب أمام تساؤلات سياسية وقانونية واسعة، خصوصا بشأن إمكان تنفيذها بحق المحكوم عليهم الموجودين خارج الأراضي السورية، وفي مقدمهم بشار وماهر الأسد الموجودان في روسيا، ومدى استعداد موسكو للتعاون مع السلطات السورية الجديدة.
فكيف ستتعامل السلطات الروسية مع الأحكام القضائية السورية؟ وهل يمكن أن تصدر مذكرات توقيف أو طلبات عبر الإنتربول؟ وكيف انعكست هذه التطورات على الشارع السوري، ولا سيما ذوي الضحايا والمتضررين من الانتهاكات المنسوبة إلى النظام السابق؟
ضياء قدور: أحكام الإعدام "فرحة تحرير جديدة" في الشارع السوري
وفي هذا السياق، رأى الباحث السياسي والمختص بالشؤون الأمنية ضياء قدور أن صدور مذكرة عن الإنتربول بحق بشار الأسد بات أمرا متوقعا، باعتبار أن الحكم الصادر هو حكم قضائي موثق، ومبني على الأدلة والبراهين، مشيرا إلى أن هذا الحكم من شأنه أن يفرض ضغوطا سياسية ودبلوماسية كبيرة على الدول التي تستضيف بشار الأسد، في إشارة إلى روسيا، باعتبار أن استمرار استضافته بعد صدور حكم بالإعدام بحقه سيضع موسكو أمام استحقاق سياسي وقانوني حساس.
أما على مستوى الشارع السوري، فوصف عَبرَ مِنصة "بالعربي" الأجواء بأنها أشبه بـ "فرحة تحرير جديدة"، معتبرا أن السوريين يشعرون، تدريجيا، بأن الدولة بدأت تستعيد دورها الطبيعي كجهة تمثلهم وتحمي حقوقهم وتدافع عنهم.
وقال قدور إن هذا التحول يحمل أهمية خاصة بالنسبة للسوريين الذين عاشوا لسنوات في حالة خوف عميق من الدولة وأجهزتها الأمنية، لافتا إلى أن استعادة الثقة بين المواطن والدولة تحتاج إلى خطوات متراكمة، من بينها محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وإنصاف الضحايا.
زكريا ملاحفجي: تنفيذ أحكام الإعدام بحق الأسدين مرتبط بالتطورات بين موسكو ودمشق
وفي سياق متصل، قال الأمين العام للحركة الوطنية السورية زكريا ملاحفجي إنه من غير المرجح أن تسلم روسيا بشار الأسد أو ماهر الأسد إلى السلطات السورية لتنفيذ أحكام الإعدام الصادرة بحقهما، موضحا أن موسكو قد تتعاون قضائيا من خلال تبادل المعلومات أو تبليغ المطلوبين، وفقا للاتفاقات والأطر القانونية بين البلدين.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن موسكو ستحاول على الأرجح إبقاء هذا الملف ضمن إطاره السياسي والقانوني، بعيدا عن خيار التسليم، إلا إذا استجدت معطيات أو تطورات جديدة قد تغير هذا الموقف، موضحا أن سوريا بإمكانها طلب إصدار نشرة حمراء من الإنتربول بحق المحكوم عليهم، إلا أن صدورها لا يحصل تلقائيا بمجرد صدور الحكم القضائي، كما أن النشرة الحمراء لا تعني إلزام روسيا بتوقيفهم أو تسليمهم.
وأشار ملاحفجي إلى أن القرار النهائي بشأن التوقيف أو التسليم يبقى خاضعا للقانون الروسي والإجراءات القضائية المعمول بها في روسيا، إلا إذا استجدت معطيات أو تطورات جديدة قد تغير هذا الموقف، مؤكدا أن الحكم أثار ارتياحا واحتفاء واضحين في أوساط السوريين، خصوصا الضحايا وعائلات المعتقلين، باعتباره خطوة رمزية نحو تحقيق العدالة. وفي المقابل، لفت إلى أن هناك نقاشا حول ضرورة أن تكون المحاكمات جزءا من مسار أوسع للعدالة الانتقالية، يشمل المتضررين ويضمن إنصاف الضحايا وتعويضهم.
وقال إن الأهمية الأكبر للحكم تكمن في أنه ينقل ملف رموز النظام السابق من دائرة المحاسبة السياسية إلى المسار القضائي، غير أن تنفيذ الأحكام فعليا، خصوصا بحق الموجودين في روسيا، سيبقى مرتبطا بالموقف الروسي وبالتطورات السياسية والقانونية بين موسكو ودمشق.
علي تباب: الاختبار الحقيقي سيكون في تعاون موسكو
وفي هذا الإطار، قال المحلل والخبير السوري علي تباب إن الأحكام القضائية الصادرة بحق بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب تمثل تحولا مهما في مسار العدالة السورية، لأنها تنقل قضية محاسبة رموز النظام السابق من مستوى المطالب السياسية والشعبية إلى مستوى الأحكام القضائية الصادرة عن محكمة سورية، مضيفا إن التعاون الروسي في هذا الملف لن يكون سهلا أو سريعا، خصوصا في ما يتعلق ببشار الأسد الموجود على الأراضي الروسية. وأشار إلى أن موسكو تعاملت معه طوال سنوات باعتباره حليفا سياسيا واستراتيجيا.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن أي طلب سوري لتسليم الأسد سيضع القيادة الروسية أمام معادلة سياسية وقانونية معقدة، لافتا، في الوقت نفسه، إلى أن الوضع تغير، إذ بات بإمكان دمشق التعامل مع موسكو من موقع الدولة التي تملك حكما قضائيا وملفا جنائيا، وجعل قضية تسليم المطلوبين جزءا من الحوار حول مستقبل العلاقات السورية الروسية.
وعن احتمال اللجوء إلى الإنتربول، لفت تباب إلى أن السلطات السورية تستطيع التحرك عبر القنوات القانونية الدولية وطلب إصدار نشرة حمراء بحق المطلوبين الموجودين خارج البلاد، مشيرا إلى أن صدور النشرة ليس آليا بمجرد وجود حكم قضائي، إذ يراجع الإنتربول الطلب وفقا لقواعده وإجراءاته.
وأشار إلى أن النشرة الحمراء، حتى في حال صدورها، لا تعد "مذكرة اعتقال دولية" بالمعنى القانوني، وإنما تمثل طلبا لتحديد مكان المطلوب وتوقيفه موقتا تمهيدا لإجراءات التسليم، فيما يبقى تنفيذها خاضعا للقوانين والإجراءات المعمول بها في كل دولة، مؤكدا أن أي تحرك عبر الإنتربول ستكون له أهمية سياسية وقانونية كبيرة، لأنه سيضيق هامش الحركة الدولية أمام رموز النظام السابق. وشرح أن الهروب إلى الخارج لا يعني إغلاق ملفات الجرائم التي ارتكبت بحق السوريين.
وحول أجواء الشارع السوري، قال تباب إن هذه الأحكام تحمل قيمة رمزية كبيرة لدى شريحة واسعة من السوريين، لا سيما عائلات الضحايا والمعتقلين والمفقودين والمهجرين، موضحا أن أسماء مثل بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب ترتبط في الذاكرة السورية ببداية القمع الدموي، وما تلاه من سنوات طويلة من الحرب والانتهاكات.
ولفت إلى أن هناك شعورا لدى السوريين بأن مرحلة الإفلات المطلق من العقاب يجب أن تنتهي، مؤكدا أن السوريين لن يقيسوا نجاح العدالة بعدد الأحكام فقط، بل بما ستفضي إليه بعد صدورها من ملاحقات قانونية فعلية، واستكمال ملفات بقية المسؤولين عن الانتهاكات، وقدرة الدولة السورية على بناء عدالة مستقلة وشفافة تشمل جميع المتورطين.
وقال تباب إن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد صدور الأحكام، مشيرا إلى أن نجاح هذه الخطوات من شأنه أن يجعلها بداية لمسار عدالة حقيقي، وليس مجرد نهاية قضائية لمرحلة سياسية.
ويبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه الأحكام إلى عدالة تنفذ فعليا، أم تبقى رهينة للموقف الروسي؟