August 08, 2026   Beirut  °C
سياسة

أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية روبرت رابل: تقلص بعض الذخائر لا يعني أزمة أميركية… وواشنطن ما زالت تملك خياراتها

يبدو أن المعركة بين الولايات المتحدة وإيران تتجه إلى مسار طويل، في ظل غياب حسم نهائي للصراع واستمرار الضغوط المتبادلة بين الطرفين. وفي وقت تعيد فيه واشنطن حساباتها بشأن أدوات المواجهة والمرحلة المقبلة، عاد ملف مخزون الذخائر الأميركية إلى الواجهة، بعدما تحدث تقرير لصحيفة واشنطن بوست عن تراجع مخزونات بعض الأسلحة المستخدمة في الحرب، وما قد يفرضه ذلك من قيود على الخيارات العسكرية الأميركية.

وأثار التقرير تساؤلات حول ما إذا كان تراجع مخزون بعض الذخائر قد يكون أحد العوامل التي دخلت في حسابات الرئيس دونالد ترامب، وخصوصًا لجهة حذره من العودة إلى مواجهة عسكرية واسعة مع إيران. كما فتح الباب أمام التساؤل حول طبيعة التوتر داخل الإدارة الأميركية بشأن هذا الملف.


فما حقيقة هذا الأمر؟ وهل يمثّل الملف أزمة فعلية في الجاهزية الأميركية، أم أنه يرتبط بخلافات داخلية بشأن إدارة الحرب؟


في هذا السياق، أكد أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية الدكتور روبرت رابل أن ما حصل هو تقلّص في مخزون بعض أنواع الأسلحة الأميركية، وليس أزمة شاملة في الذخائر، موضحًا أن التراجع طال تحديدًا الصواريخ طويلة المدى والدقيقة، إضافة إلى الصواريخ الاعتراضية.


وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن انخفاض هذه المخزونات أمر واقع، وإن كانت الأرقام الدقيقة للكميات المتبقية غير معلنة، مشددًا، في الوقت نفسه، على أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة فقدت هذه القدرات أو باتت عاجزة عن مواصلة عملياتها العسكرية.


وأوضح رابل أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك خيارات عسكرية متعددة، بينها مقاتلات F-15 وF-16 وF-35، وقاذفتا B-2 وB-52، إلى جانب قدرات أخرى، بينها تقنيات تعتمد على الليزر. ولفت إلى أن الاستراتيجية الأميركية التقليدية في أي هجوم تقوم أولًا على استهداف الصواريخ بعيدة المدى والدقيقة قبل إدخال الطائرات إلى ساحة العمليات، بهدف حماية الطيارين الأميركيين. لذلك، فإن تقلّص المخزون، برأيه، لا يغيّر الاستراتيجية الأميركية ولا يمنع واشنطن من مواصلة عملياتها، لكنه قد يؤثر في الوسيلة التي ستستخدمها لتنفيذها، ويفرض حسابات أكثر دقة بشأن نوعية السلاح وتوقيت الضربات.


ولفت إلى أن الضغط على المخزون الأميركي لا يرتبط بالحرب مع إيران وحدها، إذ إن واشنطن استخدمت الذخائر أو زوّدت بها حلفاءها وشركاءها، وبينهم إسرائيل والإمارات وكوريا الجنوبية وأوكرانيا، في وقت لم تكن فيه وتيرة إعادة الإنتاج قادرة على مواكبة الاستهلاك بالسرعة نفسها. ومع ذلك، شدد على أن هذا التراجع لا يعني أن الولايات المتحدة فقدت خياراتها العسكرية، بل إن تأثيره الأساسي يتمثل في زيادة الحذر في إدارة العمليات، خصوصًا مع حساسية مسألة الخسائر البشرية بالنسبة إلى ترامب.


أما في ما يتعلق بما وصفته واشنطن بوست بأنه خلاف بين ترامب ووزير الحرب بيت هيغسيث، فأوضح رابل أن الأدق هو الحديث عن "عتب" من الرئيس، وليس خلافًا مباشرًا، مشيرًا إلى أن ترامب لم يكن راضيًا عن الطريقة التي وصلت بها الأمور إلى هذه المرحلة. وأضاف أن جزءًا أساسيًا من غضبه مرتبط بالتسريبات التي كشفت معلومات عن المخزون العسكري الأميركي، معتبرًا أن كشف أعداد الصواريخ المتبقية يُعدّ من المعلومات الحساسة التي لا ينبغي أن تخرج إلى العلن. ومن هنا، فإن تهديد ترامب بملاحقة المسرّبين يأتي، بحسب رابل، في إطار محاولة منع تسريب معلومات يمكن أن تكشف للخصوم قدرات واشنطن وحدود مخزونها العسكري.


ورأى أن هذه المعطيات لن تدفع ترامب إلى التخلي عن الضغط على إيران، لكنها ستدخل في حساباته عند تحديد شكل المواجهة المقبلة. فالرئيس، بحسب تقديره، لا يريد تعريض الطيارين الأميركيين للخطر أو الدخول في حرب طويلة تؤدي إلى خسائر بشرية، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات واهتمامه المتزايد بشعبيته. ولذلك، رجّح أن تنتقل المواجهة إلى أدوات متعددة، بينها العمل الاستخباراتي والحرب السيبرانية وموجات من الضربات العسكرية، بدل الانزلاق مباشرة إلى حرب شاملة.


وفي هذا السياق، استبعد رابل، في المرحلة الحالية، إنزال قوات أميركية برية في العمق الإيراني، مشيرًا إلى وجود ميل داخل البيروقراطية الأميركية والكونغرس إلى تجنّب هذا الخيار، لأن تغيير النظام الإيراني بالقوة يتطلب وجود قوات على الأرض. لكنه لا يستبعد، في المقابل، تنفيذ عمليات عسكرية نوعية ومحدودة في مناطق استراتيجية، خصوصًا أن الولايات المتحدة تمتلك قوات خاصة في منطقة الخليج تمنحها خيارات تتجاوز القصف الجوي التقليدي. وبالتالي، فإن غياب الإنزال البري لا يعني غياب الخيارات العسكرية، بل قد يعني اعتماد وسائل أكثر دقة وأقل كلفة بشريًا بالنسبة إلى واشنطن.


ولفت إلى أن مضيق هرمز أصبح جزءًا أساسيًا من الحسابات الأميركية والإيرانية، معتبرًا أن طهران تنظر إليه بوصفه أداة استراتيجية يمكن استخدامها لفرض واقع جديد في الخليج والمنطقة. ولذلك، رأى أن التفاهم المحتمل بين إيران وسلطنة عُمان بشأن المضيق، في حال حصوله وموافقة واشنطن عليه، سيكون مؤقتًا، ولا يمكن اعتباره تسوية نهائية للصراع، خصوصًا أن إيران، بحسب المعلومات التي يتابعها، تعمل بالتوازي على إعداد خيارات جديدة للمرحلة المقبلة.


وحذّر رابل من أن استمرار التصعيد لا يهدد إيران والولايات المتحدة وحدهما، بل يضع دول الخليج والاقتصاد العالمي أمام مخاطر إضافية، في ظل حساسية منشآت الطاقة وتحلية المياه في المنطقة. وهذا ما يجعل واشنطن أمام معادلة دقيقة؛ فهي لا تريد التراجع أمام إيران، لكنها، في الوقت نفسه، مطالبة بحساب تداعيات أي ضربة واسعة على حلفائها في الخليج وعلى الاقتصاد العالمي.


أما تغيير النظام الإيراني، فاعتبر أنه ليس خيارًا قريبًا في الظروف الحالية، لأن المعارضة الإيرانية ليست موحدة بما يكفي، ولأن واشنطن لم تبنِ، بحسب تقديره، منظومة دعم للمعارضة داخل إيران كتلك التي سبقت التدخل الأميركي في العراق. ولذلك، رأى أن إضعاف النظام والحد من قدرته على تهديد الولايات المتحدة وحلفائها يبقى هدفًا أكثر واقعية من محاولة إسقاطه عسكريًا.


وخلُص رابل إلى أن تقلّص مخزون الذخائر الأميركي حقيقي، لكنه لا يمثل أزمة تشلّ القدرة العسكرية الأميركية، ولا يمنع ترامب من مواصلة الضغط على إيران. إلا أن هذا التراجع، إلى جانب الحسابات السياسية وأمن الخليج، قد يدفع واشنطن إلى تغيير أدوات المواجهة بدل تغيير هدفها، بحيث ينتقل الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الضربات المحدودة مع الحرب السيبرانية والاستخباراتية والضغط السياسي. وبحسب رابل، فإن التحدي أمام ترامب لن يكون فقط كيفية مواصلة الضغط على إيران، بل كيفية الخروج من المواجهة بنتيجة يستطيع تقديمها كانتصار، من دون الانجرار إلى حرب طويلة أو خسائر أميركية كبيرة.


في الخلاصة، أيا كان تفسير ما نشرته واشنطن بوست، فإن ملف الذخائر أعاد تسليط الضوء على صعوبة القرار الأميركي تجاه إيران. فالمسألة لا تتعلق فقط بما تملكه واشنطن من أسلحة، بل بمدى استعدادها لاستخدامها، وبكلفة أي تصعيد جديد على المستويين العسكري والسياسي. وبينما تبقى كل الخيارات مطروحة، يحاول ترامب الحفاظ على هامش مناورة بين إبقاء الضغط على طهران وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة يصعب التحكم بمسارها، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات النصفية، التي ستجعل أي قرار عسكري كبير مرتبطًا أيضًا بحساباته الداخلية وبمدى انعكاسه على الناخب الأميركي.