غريب أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تعامله مع إيران. فمواقفه المتناقضة والمتذبذبة حيالها توحي وكأن السياسة والملفات العسكرية بالنسبة إليه ليست سوى رقعة شطرنج، يدفع أحجارها إلى الأمام، ثم لا يلبث أن يعيدها إلى الخلف بعد وقت وجيز.
"سأضرب إيران"، "سأدمر إيران"، "لن ينجو نظام طهران"، "المفاوضات انتهت معها"، "المفاوضات تسير بشكل جيد مع إيران"، "أوعزت بإيقاف استهداف إيران"، "الإيرانيون يفاوضون بشكل جيد"... كلها نماذج من تصريحات متناقضة أدلى بها الرئيس الأميركي خلال فترات زمنية متقاربة، جمع فيها بين الموقف ونقيضه. وآخرها حديثه عن قرب إعادة فتح مضيق هرمز، قبل أن تسارع طهران إلى نفي ذلك، مؤكدة استمرار إغلاقه.
هذا التناقض في مواقف ترامب انعكس سلبا على صورة السياسة الأميركية، ومنح إيران هامشا أوسع للمناورة، استثمرته، وفق منتقديه، عبر أذرعها في المنطقة، وكان آخرها الهجوم الذي نفذه الحوثيون على سفينة نفط مرتبطة بالسعودية في خليج عدن.
فإلى أين يمضي الرئيس الأميركي؟ وهل تعكس مواقفه المتقلبة إحباطا داخليا نابعا من قناعته بصعوبة هزيمة إيران، أم أن مقاربة دونالد ترامب للملف تختلف عما يراه العالم ويقرأه؟
في هذا الإطار، رأى سفير لبنان السابق لدى واشنطن أنطوان شديد أن ما يصدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب من مواقف متناقضة تجاه إيران لا يعكس تخبطا بقدر ما يندرج ضمن أسلوبه المعروف في إدارة الأزمات والضغط على الخصوم، موضحا أن ترامب كان قد أعلن قبل أيام استعداده ضرب إيران، ثم عاد ليتحدث عن سير المفاوضات معها بشكل جيد، وعن قرب إعادة فتح مضيق هرمز، في وقت سارعت فيه طهران إلى نفي ذلك. واعتبر أن هذا التناقض هو جزء من "زمن ترامب" وطريقته في استخدام القوة الأميركية لتحقيق أهداف سياسية من دون الانجرار إلى حرب شاملة.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن الرئيس الأميركي لا يريد خوض مواجهة عسكرية مع إيران، لكنه يسعى، في الوقت نفسه، إلى انتزاع تنازلات منها من دون أن يظهر بمظهر المهزوم. وقال إن حسابات ترامب لا تقتصر على الملف الإيراني، بل ترتبط أيضا بالانتخابات النصفية المقبلة، إذ يحرص على خفض أسعار المحروقات داخل الولايات المتحدة، لما لذلك من تأثير مباشر على الناخب الأميركي، كما يسعى إلى الحفاظ على استقرار الأسواق المالية ومنع حدوث تراجع حاد في البورصة.
واعتبر شديد أن هذه الاعتبارات تمنح ترامب هامشا واسعا للتراجع عن بعض مواقفه بعد إطلاقها، لكنه يفعل ذلك ضمن سياسة تقوم على التهديد والضغط بهدف دفع إيران إلى تقديم ما يريده منها، على الأقل حتى انتهاء الانتخابات النصفية، مؤكدا أن المرحلة التي تلي تلك الانتخابات ستكون مختلفة وقد تحمل مقاربة أخرى للملف الإيراني.
وفي معرض حديثه عن الانتقادات التي تطال الرئيس الأميركي بسبب تبدل مواقفه، لفت إلى أن ترامب يتحرك بحرية كبيرة في الوقت الراهن، مشيرا إلى أن الكونغرس لا يمارس رقابة فعلية على سياساته في هذه المرحلة، كما أن المواطن الأميركي العادي لا يبدي اهتماما كبيرا بالحرب مع إيران بقدر اهتمامه بالكلفة الاقتصادية التي قد تترتب عليها، سواء لناحية الحرب نفسها أو التهديدات أو الاستعدادات العسكرية.
ورأى شديد أن مواقف الرئيس الأميركي المتقلبة قد تلحق ضررا بشخصه وبصورته أمام الرأي العام العالمي، كما تؤثر على سمعته السياسية، مستشهدا بقرار الإدارة الأميركية رفع بعض العقوبات عن إيران بعد سلسلة من التهديدات المتبادلة. لكنه أكد، في المقابل، أن هذا التراجع في الصورة لا يعني تراجع النفوذ الأميركي، إذ لا تزال دول العالم، بما فيها القوى الكبرى، تتعامل مع الولايات المتحدة وفق موازين القوة القائمة. وقال إن أحدا، لا الصين ولا روسيا ولا حتى أوروبا، لم ينجح حتى الآن في مواجهة ترامب بصورة مباشرة أو الحد من تأثيره، مستشهدا بما حصل في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة. واعتبر أن الواقع الدولي لا يزال يسمح للرئيس الأميركي بفرض إيقاعه على كثير من الملفات الدولية.
وفي ما يتعلق بلبنان، شدد على أن الولايات المتحدة لا تزال مصرة على رعاية المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل، سواء حصلت المفاوضات في روما أو واشنطن أو أي مكان آخر، معتبرا أن الإدارة الأميركية اتخذت قرارا بإبعاد هذا الملف عن النفوذ الإيراني، ولا تبدو مستعدة للتراجع عنه في المرحلة الحالية.
وأشار شديد إلى أنه، على الرغم من الصعوبات التي تواجه المفاوضات، فإن الولايات المتحدة تتدخل باستمرار لمنع انهيارها، معتبرا أن ترامب يتعامل مع هذا المسار باعتباره ملفا لا يجوز السماح بفشله، ولذلك تواصل واشنطن جهودها للحفاظ على استمراره.
وعن التصعيد الذي تشهده المنطقة، رأى أن إيران تعتمد استراتيجية تقوم على ممارسة الضغوط غير المباشرة على الولايات المتحدة عبر التأثير على حلفائها وعلى سوق النفط. وقال إن طهران، في ظل عدم قدرتها على مواجهة واشنطن عسكريا بصورة مباشرة، تلجأ إلى استخدام أذرعها الإقليمية لاستهداف مصالح دول الخليج، بما فيها الهجمات الأخيرة التي طالت ناقلة نفط سعودية، فضلا عن تهديد أمن المنطقة بصورة عامة.
واعتبر شديد أن الرسالة الإيرانية من هذه التحركات تقوم على التأكيد بأنها قادرة على التأثير في أسواق الطاقة العالمية وفي أمن حلفاء الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن دول الخليج تتعامل مع هذه الاستفزازات بحكمة، لأنها تدرك أن الانزلاق إلى حرب مفتوحة مع إيران ستكون له تداعيات خطيرة على الجميع بحكم الجغرافيا والمصالح المشتركة.
وتناول تراجع التركيز الأميركي على الملفات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية والأذرع العسكرية، مقابل الاهتمام الكبير بمضيق هرمز، موضحا أن تركيز دونالد ترامب في المرحلة الحالية على مضيق هرمز لا يعني تخليه عن الملفات الأخرى، بل يعكس ترتيبا للأولويات تفرضه حساباته السياسية الداخلية. وأشار إلى أن الرئيس الأميركي يضع الانتخابات النصفية في مقدمة اهتماماته، ولذلك يسعى أولا إلى معالجة الملف الاقتصادي، لا سيما ما يتصل بحركة الملاحة في مضيق هرمز وانعكاسها على أسعار النفط والاقتصاد الأميركي.
وقال شديد إن ترامب، بعد تجاوز الانتخابات النصفية، سيعود إلى معالجة ملفات البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والأذرع الإيرانية، إلا أنه حتى ذلك الحين سيمنح إسرائيل هامشا واسعا لمواصلة استهداف تلك الأذرع، وفي مقدمها حزب الله في لبنان، معتبرا أن ما تشهده الساحة اللبنانية في المرحلة الراهنة يندرج في هذا السياق.
وبين تهديدات تتصاعد صباحا ورسائل تهدئة تصدر مساء، يبقى نهج دونالد ترامب محكوما بحسابات تتجاوز المواجهة مع إيران إلى صناديق الاقتراع الأميركية. وحتى تتضح نتائج الانتخابات النصفية، تبدو المنطقة مرشحة لمزيد من التقلبات، فيما تبقى الملفات الكبرى معلقة بين ضغوط السياسة، وحسابات الاقتصاد، واحتمالات التصعيد.