August 04, 2026   Beirut  °C
سياسة

ديفيد رمضان: ترامب لم يُلغِ الخيار العسكري… بل أجله لمنح المفاوضات فرصة جديدة

التصعيد أولًا… ثم العودة إلى طاولة التفاوض. هكذا أصبح الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدير المواجهة مع إيران، عبر رفع سقف التهديدات إلى أقصى حد، قبل أن يفسح المجال أمام المسار الدبلوماسي، من دون أن يُسقط الخيار العسكري من حساباته.

هذا الأسلوب لم يعد استثناءً، بل بات يتكرر في كل محطة مفصلية من العلاقة بين واشنطن وطهران. فكلما ارتفعت حدة التصعيد، عادت الاتصالات والوساطات لتفتح نافذة تفاوض جديدة، فيما تبقى سياسة الضغط قائمة، سواء عبر العقوبات الاقتصادية أو التلويح باستخدام القوة، في محاولة لدفع إيران إلى تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات.


فهل تحوّل التصعيد الكلامي إلى أداة يعتمدها ترامب لانتزاع تنازلات من إيران؟ وهل للحسابات الداخلية الأميركية، مع اقتراب الانتخابات النصفية، دور في هذا المسار؟ أم أن ما يجري يندرج ضمن استراتيجية أميركية ثابتة تقوم على التلويح بالقوة قبل العودة إلى التفاوض؟


وتعليقًا على ذلك، أكد النائب السابق في ولاية فرجينيا وأستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج ماسن، الدكتور ديفيد رمضان، أن الهدف الأساسي لترامب لم يكن خوض حرب طويلة مع إيران، بل التوصل إلى اتفاق معها. وأوضح أن الرئيس الأميركي يعتمد سياسة "الضغط الأقصى"، من خلال التهديد باستخدام القوة العسكرية أو اللجوء إليها، لدفع طهران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر ملاءمة لواشنطن، معتبرًا أن التهديد العسكري لم يكن هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لإجبار إيران على إعادة حساباتها.


وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن المملكة العربية السعودية، إلى جانب سلطنة عُمان ودول خليجية أخرى، استطاعت إقناع ترامب بوجود فرصة حقيقية لتحقيق تقدم عبر المسار الدبلوماسي، وإمكان الوصول إلى تفاهمات مع إيران من خلال وساطة إقليمية. وأضاف أن الضغوط الاقتصادية المفروضة على إيران بدأت تؤتي ثمارها، وهو ما شجّع الرئيس الأميركي على منح المفاوضات فرصة إضافية. لذلك، رأى أن ما جرى لا يمثل تراجعًا كاملًا، بل قرارًا تكتيكيًا بتأجيل العمل العسكري لمعرفة ما إذا كانت الضغوط والوساطات ستفضيان إلى اتفاق مقبول، معتبرًا، في الوقت نفسه، أن ترامب يرى أن التهديد العسكري حقق جزءًا من أهدافه، وأن إعطاء الدبلوماسية فرصة في هذه المرحلة قد يؤدي إلى نتائج أفضل وبكلفة أقل.


وفي ما يتعلق بالحسابات الداخلية الأميركية، أوضح رمضان أن الانتخابات النصفية لا تشكل العامل الرئيسي في هذا القرار، رغم أن أي خطوة تتخذها الإدارة الأميركية لا تنفصل بالكامل عن الاعتبارات السياسية الداخلية. وأضاف أن ترامب يدرك أن قاعدته الانتخابية لا ترغب في خوض حروب جديدة في الشرق الأوسط، لكنه يعلم أيضًا أن إظهار الحزم تجاه إيران يحظى بدعم واسع داخل الحزب الجمهوري. لذلك، فإن قراره لم يكن نابعًا من الخوف من انعكاسات انتخابية، بل من قناعته بأن الضغوط التي مارسها حققت جزءًا من أهدافها، وأن الوقت مناسب لإعطاء المسار الدبلوماسي فرصة.


ولفت إلى أن دول الخليج، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية، كان لها دور كبير في هذا التطور، لكنه رفض وصف ما جرى بأنه ضغط على الرئيس الأميركي، معتبرًا أنه جهد دبلوماسي مكثف لإقناعه بوجود مسار بديل يحقق الأهداف الأميركية من دون العودة الفورية إلى الحرب. وأوضح أن دول الخليج تدرك أن أي مواجهة جديدة مع إيران لن تبقى محصورة بين واشنطن وطهران، بل ستنعكس مباشرة على أمن الخليج، ومنشآت الطاقة، والملاحة البحرية، والقواعد الأميركية في المنطقة، لذلك كان من مصلحتها الدفع نحو التهدئة.


وأضاف رمضان أن هذه الجهود نجحت، حتى الآن، في إقناع ترامب بتأجيل الخطط العسكرية، لا إلغائها، مؤكدًا أن الخيار العسكري لا يزال مطروحًا، وقد يعود سريعًا إذا فشلت المفاوضات أو اعتبرت واشنطن أن طهران تستخدم الوساطات لكسب الوقت.


ورأى أن واشنطن تتجه، في المرحلة الحالية، إلى جولة جديدة من المفاوضات مع طهران، وستمنح الدبلوماسية فرصة، لكنها، في الوقت نفسه، ستواصل ممارسة الضغوط الاقتصادية والعسكرية للحفاظ على نفوذها التفاوضي. وفي المقابل، أبدى شكوكًا حيال استعداد إيران للتفاوض بحسن نية، معتبرًا أن النظام الإيراني يستخدم المفاوضات لتخفيف الضغوط، وكسب الوقت، وإعادة ترتيب أوراقه، وليس بالضرورة للوصول إلى تسوية حقيقية ودائمة.


وتابع أن النظام الإيراني يواصل دعم الجماعات المسلحة في المنطقة، ويعتمد المراوغة والتصعيد غير المباشر أداتين أساسيتين في سياسته الخارجية، لذلك سيبقى التصعيد حاضرًا في الخلفية، فيما ستواصل واشنطن التلويح بالخيار العسكري إذا لم تلمس تنازلات إيرانية ملموسة.


وفي قراءته للمرحلة المقبلة، توقع رمضان العودة إلى إطار مؤقت لا يتجاوز، في جوهره، وقفًا لإطلاق النار أو تفاهمًا مرحليًا قد يُمدَّد أكثر من مرة، لأن الطرفين لا يرغبان حاليًا في مواجهة عسكرية شاملة. فالولايات المتحدة لا تريد حربًا طويلة ومكلفة، فيما تدرك إيران أنها لا تستطيع تحمّل مواجهة مباشرة مع القوة العسكرية الأميركية، ما يخلق مصلحة مشتركة في احتواء التصعيد، ولو بصورة مؤقتة.


لكنه شدد على أن ذلك لا يعني الوصول إلى سلام دائم أو اتفاق استراتيجي شامل، في ظل استمرار الخلافات حول البرنامج النووي، والصواريخ، والنفوذ الإقليمي، ودعم الجماعات المسلحة. كما أشار إلى غياب مجتبى خامنئي عن المشهد، معتبرًا أنه لا توجد اليوم شخصية أو جهة داخل إيران قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية على المدى الطويل.


وخلص إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار "حرب باردة" بين الولايات المتحدة وإيران، تتخللها مفاوضات، وضغوط اقتصادية، وتهديدات، ومواجهات عسكرية محدودة، من دون الوصول إلى حرب شاملة أو سلام حقيقي.


في المحصلة، لا يُنظر إلى ما جرى على أنه تراجع من ترامب أو خضوع لضغوط، بل كجزء من استراتيجية تقوم على توظيف التصعيد والضغط لتحقيق أهدافه. وفي المقابل، لا تبدو واشنطن ولا طهران معنيتين، في هذه المرحلة، بالعودة إلى مواجهة عسكرية شاملة، ما يُبقي الباب مفتوحًا أمام التفاوض.