كعادته، يرفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب سقف تهديداته الكلامية تجاه إيران، وهو أسلوب سبق أن اعتمده أكثر من مرة، حين لوح بتدمير الحضارة الإيرانية، قبل أن يعود في اليوم التالي ويتحدث عن التفاوض وفتح باب الاتصالات. واليوم، مع عودة هذا الخطاب التصعيدي، يبرز السؤال عما إذا كانت التهديدات الجديدة ستسلك المسار نفسه، أم أنها تحمل هذه المرة مؤشرات مختلفة.
ومع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية والانتخابات الإسرائيلية، يكتسب هذا التصعيد أبعادا إضافية، في وقت يزداد فيه الحديث عن احتمال أن يشهد شهرا آب وأيلول مزيدا من التوتر، وما قد يتركه هذا الأمر من انعكاسات على لبنان والمنطقة بأكملها.
في هذا الإطار، أكد الأكاديمي والباحث السياسي طارق عبود أن تصعيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران يأتي بعد وصوله إلى طريق مسدود، معتبرا أن الخيار المتاح أمامه للخروج من هذا المأزق هو اللجوء إلى التصعيد الكلامي والتهديد، كما حصل في 6 نيسان الماضي، عندما تحدث عن تدمير القدرات الإيرانية وضرب المنشآت الحيوية، وصولا إلى استهداف قطاعات أساسية كالكهرباء والمياه.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن ترامب يريد استمرار الحرب، ولكن بالوتيرة التي يحددها وبالمسار الزمني الذي يناسبه، موضحا أن طهران لم توافق أخيرا على هذا المسار، ما أدى إلى تصعيد جديد تمثل بقصف قاعدة موفق السلطي الأميركية، بعدما كان ترامب قد أعلن أنه أوقف الهجمات على إيران بانتظار مسار تفاوضي.
ولفت عبود إلى أن الإدارة الأميركية تسعى أيضا إلى تحقيق أهداف اقتصادية مرتبطة بسوق الطاقة، ومنها إعادة أسعار النفط إلى ما دون المئة دولار أو حتى ما دون التسعين دولارا، معتبرا أن حسم المواجهة مع إيران لن يكون ممكنا من خلال الضربات الجوية فقط، بل يحتاج إلى دخول بري، وهو خيار ستكون كلفته كبيرة على الولايات المتحدة بسبب الخسائر البشرية التي قد يتكبدها الجيش الأميركي، ما يجعله خيارا غير مقبول داخليا.
ورأى أن الاحتمال الأكثر ترجيحا هو استمرار الضربات الجوية على إيران، أقله حتى الانتخابات النصفية الأميركية في تشرين الثاني، وربما حتى نهاية ولاية ترامب في البيت الأبيض، مشيرا إلى أنه لن يكون هناك حسم على مستوى جبهة إيران إلا عبر دخول بري.
وأوضح عبود أن الحروب لا تخاض لمجرد الحرب، بل ترتبط بدوافع سياسية، معتبرا أن الاستحقاق الانتخابي النصفي في الولايات المتحدة يشكل عاملا أساسيا في هذا المسار، خصوصا مع تأثير الحرب على أسعار البنزين والديزل داخل الولايات المتحدة، إضافة إلى عدم تحقيق الأهداف الأميركية من الحرب حتى الآن. ولفت إلى أن الانتخابات النصفية الأميركية لا تشير إلى أن الجمهوريين سيستمرون كأكثرية في غرفتي مجلس النواب ومجلس الشيوخ.
وأشار إلى أنها المرة الأولى منذ الحرب العالمية الأولى والثانية التي تدخل فيها الولايات المتحدة حربا مباشرة بهذا الشكل من دون تحقيق انتصار واضح وحاسم، لافتا إلى أن واشنطن سبق أن حققت انتصارات في حروب مثل الحرب العالمية الثانية، وفي مواجهات أخرى كالعراق وأفغانستان وفيتنام، بينما المشهد الحالي مختلف.
أما على مستوى الانتخابات الإسرائيلية، فبيّن عبود أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لديه مصلحة استراتيجية في استمرار الحرب، معتبرا أن استمرار المواجهة يخدم حملته الانتخابية، إضافة إلى أهداف أخرى مرتبطة باستمرار الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني ورفع مستوى التوتر في الضفة الغربية.
وفي قراءته للأشهر المقبلة، رأى أن شهري آب وأيلول قد يشهدان ارتفاعا في مستوى التوترات الأمنية وتوسعا في دائرة المواجهة، مشيرا إلى أن هذا الأمر يخدم، برأيه، المصالح الأميركية والإسرائيلية. وتوقف عند استهداف مواقع في مصر، ومنها محطات التغويز، معتبرا أن واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى توسيع مروحة الحرب وإدخال أطراف جديدة فيها، كما حصل مع السعودية.
وشدد عبود على أن هذه الحرب لا يمكن تقسيمها، فهناك رابح وهناك خاسر، مشيرا إلى أن ترامب لم يقتنع حتى الآن بأنه لن يتمكن من تحقيق انتصار في المواجهة، ولذلك يستمر في المسار العسكري، بدعم من تيارات داخل الإدارة الأميركية، بينها الجناح المتشدد المتمثل بماركو روبيو وبيت هيغسيث، إضافة إلى تأثير اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة.
وعن انعكاسات هذه التطورات على لبنان، أكد أن لبنان لن يكون بمعزل عن نتائج الحرب الأميركية - الإيرانية - الإسرائيلية، كما هي حال فلسطين وسوريا واليمن والعراق ودول الخليج، مشيرا إلى أن الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة أيضا تتأثر بهذا التصعيد.
وأوضح عبود أن الهدوء الحالي على الجبهة اللبنانية مرتبط بعدم ظهور نتائج نهائية وواضحة للمواجهة، معتبرا أن ما ستؤول إليه الحرب بين واشنطن وطهران سيحدد مسارات عدة في المنطقة، لا سيما في لبنان والملفات المرتبطة به، في ظل حرب بدأت في 28 شباط 2026 ولا تزال تداعياتها مفتوحة.
في النهاية، لا شك أن ملامح المرحلة المقبلة ستبقى مرهونة بما ستؤول إليه المواجهة بين واشنطن وطهران، في وقت تتسع فيه دائرة التوتر في المنطقة، مع محاولات لجر ساحات ودول جديدة إلى قلب الصراع، فيما يبقى لبنان من أكثر الدول التي ستتأثر بأي تحول في مسار هذه المواجهة.