اكتسبت الزيارة الرسمية الأولى التي أجراها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى تركيا منذ انتخابه، والتي عقد خلالها قمة مع الرئيس رجب طيب أردوغان، أهمية سياسية واستراتيجية تجاوزت بعدها البروتوكولي، في ظل الحراك الدبلوماسي الخارجي الذي يقوده لإعادة تثبيت لبنان على خريطة الاهتمام الدولي وحشد الدعم لاستقراره الأمني والاقتصادي، بعدما شكلت زيارته السابقة إلى واشنطن ولقاؤه الرئيس الأميركي دونالد ترامب محطة بارزة في هذا المسار.
وجاءت محطة أنقرة بالتزامن مع تصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، ومع تنامي الدور التركي في ملفات الشرق الأوسط بوصفها قوة إقليمية وعضوًا محوريًا في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وركزت المباحثات على تعزيز التعاون الاقتصادي ودعم مسار التعافي اللبناني، إلى جانب توسيع التعاون العسكري ودعم الجيش اللبناني، بما يعزز حضور الدولة واستقرارها، انطلاقًا من قناعة بأن أي تهدئة إقليمية ستنعكس مباشرة على الواقع اللبناني.
وفي معرض تقييمه لزيارة الرئيس جوزاف عون إلى تركيا ولقائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اعتبر المحلل السياسي والخبير الاقتصادي التركي الدكتور يوسف كاتب أوغلو أن الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس عون إلى تركيا اكتسبت أهمية استثنائية، كونها الأولى منذ توليه رئاسة الجمهورية، ولأنها جاءت في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، شهد تحولات جيوسياسية متسارعة من شأنها إعادة رسم موازين القوى في المنطقة.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن هذه الزيارة حملت بُعدين رئيسيين؛ أولهما البعد الإقليمي والأمني، في ظل التحديات التي يواجهها لبنان والتطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة، معتبرًا أن بيروت تحتاج إلى شريك إقليمي قوي يسهم في تعزيز أمنها واستقرارها، وأن تركيا، بما تمتلكه من ثقل سياسي وعسكري وإقليمي، قادرة على أداء دور محوري في هذا الإطار.
وأشار كاتب أوغلو إلى أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وما رافقها من انتهاكات للسيادة اللبنانية وعمليات عسكرية وتهجير لمئات الآلاف، وإلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد والبنية التحتية، جعل من الملف الأمني والدفاعي أحد أبرز محاور المباحثات بين الرئيسين جوزاف عون ورجب طيب أردوغان.
ولفت إلى أن تكون المحادثات تناولت سبل تعزيز قدرات الجيش اللبناني من خلال الاستفادة من الخبرات التركية في المجالات العسكرية والتقنية واللوجستية، إلى جانب توسيع برامج التدريب والتأهيل، وبحث إمكان تزويد لبنان بمنظومات دفاعية وتقنيات متطورة تسهم في رفع جاهزية المؤسسة العسكرية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الأمنية.
وأضاف أن المحور الثاني للزيارة تمثل في تعزيز العلاقات الثنائية بين لبنان وتركيا، لافتًا إلى وجود اهتمام متبادل بالارتقاء بالشراكة الاقتصادية والاستثمارية إلى مستويات أوسع، لا سيما في مجالات البنية التحتية والنقل والخدمات اللوجستية، موضحًا أن من بين الملفات المطروحة مشروع إحياء خط الحجاز، الذي تُجرى بشأنه دراسات وتنسيق بين تركيا وسوريا والمملكة العربية السعودية، مع إمكان انضمام لبنان إليه، فضلًا عن تطوير شبكات النقل والربط اللوجستي بين تركيا وسوريا ولبنان، بما يعزز الحركة التجارية والتكامل الاقتصادي بين دول المنطقة.
كما تناولت المباحثات إعادة تفعيل اتفاقية التجارة الحرة بين لبنان وتركيا، بما يسهم في دعم الاقتصاد اللبناني، إلى جانب تشجيع الاستثمارات التركية من خلال توفير التسهيلات اللازمة للمستثمرين الأتراك، بما ينعكس إيجابًا على عملية التعافي الاقتصادي في لبنان، مؤكدًا أن أنقرة مرشحة لأن تكون شريكًا استراتيجيًا للبنان من بوابة الاقتصاد والتجارة والاستثمار.
ورأى كاتب أوغلو أن أهمية الزيارة تضاعفت في ظل حالة عدم الاستقرار الإقليمي، وما رافق التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران من مخاوف بشأن أمن الخليج العربي وإغلاق مضيق هرمز، فضلًا عن المخاوف من اتساع رقعة المواجهات إلى نزاع إقليمي أوسع، الأمر الذي جعل البحث عن شركاء قادرين على دعم الاستقرار اللبناني أولوية ملحّة.
واعتبر أن اختيار تركيا في هذه المرحلة لا يعكس مجرد خيار دبلوماسي، بل يفرضه الواقع الإقليمي والتحولات الجيوسياسية المتسارعة، معربًا عن توقعه بأن تفضي المباحثات إلى نتائج إيجابية تعزز التعاون بين البلدين في مختلف المجالات.
وأشار إلى أن تركيا تنظر إلى لبنان باعتباره دولة ذات أهمية استراتيجية في منطقة شرق البحر المتوسط، سواء لجهة التعاون الاقتصادي أو الاستفادة من الموارد والثروات الطبيعية، فضلًا عن دعم الدولة اللبنانية في بسط سيادتها على كامل أراضيها عبر تكثيف الجهود والاتصالات الدبلوماسية على المستويات الإقليمية والدولية، بما يعزز الأمن والاستقرار في لبنان والمنطقة.
وفي ضوء ما تقدم، تندرج زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى أنقرة ضمن مسار دبلوماسي نشط يقوده منذ انتخابه، بهدف توسيع شبكة الدعم الدولي والإقليمي للبنان، وتوفير مقومات تثبيت الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي. واكتسبت هذه المحطة أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة الإقليمية والدولية التي تتمتع بها تركيا، وما راكمته من تجارب ومشاريع ناجحة في المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والصناعية والسياحية، بما يجعل تعزيز التعاون معها فرصة واعدة لدعم الدولة اللبنانية، والاستفادة من خبراتها في مرحلة تتطلب شراكات استراتيجية قادرة على مواكبة تحديات الداخل وتحولات المنطقة.